الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الجماعات الوظيفية

«الجماعات الوظيفية»  هي مجموعات بشرية صغيرة يقوم المجتمع التقليدى بإسناد وظائف شتى إليها يرى أعضاء هذا المجتمع أنهم لا يمكنهم الاضطلاع بها لأسباب مختلفة. قد تكون هذه الوظائف مشينة في نظر المجتمع ولا تحظى بالاحترام في سُلَم القيم السائدة (التنجيم ـ البغاء ـ الربا)، وقد تكون متـميِّزة ومهمة (الطب، وخصوصاً أطباء النخبة الحاكمة ـ القتال)، وقد يتطلب الاضطلاع بها قدراً عالياً من الحياد والتعاقدية لأن المجتمـع يريد الحفـاظ على قداسـته وتَراحُمه ومثالياته (التجارة والربا). وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوظيفهم في المناطق النائية ـ خبرات غير متوافرة ـ الحاجة إلى رأس مال). كما أن المجتمع يقوم بإسناد الوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني (حرس الملك ـ طبيبه ـ السفراء والجواسيس) إلى أعضاء الجماعات الوظيفية. ويمكن أن تكون الوظيفة التي تُسنَد إلى أعضاء الجماعة الوظيفية مشينة ومتميِّزة وحساسة في آن واحد (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على وجه العموم). كما أن المهاجرين عادةً ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجديد) لأن الوظائف الأساسية عادةً ما تكون قد شُغلَت من قبَـل أعضاء المجتمع المضيف. ويحاول الاستعمار دائماً أن يحوِّل أعضاء الأقليات إلى جماعات وظيفية تضطلع بوظائف يسندها إليها وتتمتع بمزايا تُقدِّمها لها حتى تدين له بالولاء.

ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تَخصُّصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها بل ويتوحَّدون معها وفي نهاية الأمر يكتسبون هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم منها، وهي عملية يساعد عليها مجتمع الأغلبية لأنه يُعرِّف عضو الجماعة الوظيفية من خلال وظيفته وحسب (لا من خلال إنسانيته المتكاملة) وبذلك يصبح عضو الجماعة الوظيفية إنساناً ذا بُعد واحد، يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد وهو وظيفته.

وبعد أن يتم اسـتيراد أو تجنيد العـنصر الوظيفي يحـدث ما يلي:

أ)  العلاقة التعاقدية النفعية:

يدخـل أعضـاء المجتـمع المضـيف، مع أعـضاء الجماعة الوظيفية، في علاقة تعاقدية نفعية محايدة رشيدة واضحة لا تركيب فيها ولا إبهام، ويقوم كل طرف في العلاقة بحوسَلة الطرف الآخر والنظر إليه باعتباره وسيلة لا غاية، وباعتباره مادة نافعة يتم التعامل معها بمقدار نفعها.

ب)  العزلة والغربة والعجز:

يحتفظ أعضاء المجتمع المضيف وأعضاء الجماعة الوظيفية بمسافة فيما بينهما. فيقوم المجتمع المضيف بعزل أعضاء الجماعة الوظيفية (عن طريق الزي أو المسـكن أو اللغة أو العـقيدة أو الانتماء الإثني، كما أن الخَصيّ كان يُعدُّ أحد أشكال هذا العزل) ويمارسون هم إحساساً عميقاً بالغربة. وفي جميع الأحوال كان أعضاء الجماعة الوظيفية يصبحون قريبين من النخبة الحاكمة يمارسون إحساساً بالولاء العميق تجاهها (وهذه ميزة كبيرة من منظور النخبة)، فهي التي تسـتوردهم وهي التي توظفـهم وتوكل لهـم مهام لا يمكن أن توكل لعضو المجتمع المضيف (حتى لا تزداد قوته)، وهي التي تستخدمهم كأداة لقمع جماهير المجتمع ولامتصاص ما قد يتراكم من ثروات وفوائض لديهم، وهي التي تضمن بقاءهم واستمرارهم. ولكنها في الوقت نفسه لا تشركهم في السلطة، فهم بلا قاعدة بين الجماهير أو أساس للقوة في حالة خوف دائم منها، ومن ثم لا يطمحون في المشاركة في السلطة بسبب وضعهم هذا. وقد يتعمق ولاء أعضاء الجماعة الوظيفية للنخبة الحاكمة إلى درجة أن تصبح في كثير من الأحيان جماعة وظيفية عميلة.

جـ)  الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية الوهمية:

ينتج عن هذا الوضع انفصال أعضاء الجماعات الوظيفية عن الزمان والمكان الذين يعيشون فيهما، ومن ثم غالباً ما يرتبط أعضاء الجماعة الوظيفية عاطفياً بوطن أصلي (صهيون ـ الصين ـ القبيلة ـ العائلة) يصبح موضع ولائهم وحبهم وعاطفتهم المشبوبة ويتصورون أنهم جزء من تاريخه وتراثه، فيتعمق شعورهم بالغربة نحو المجتمع المضيف، ويعيشون فيه دون أن يكونوا منه، ويتطور لديهم إحساس عميق بهويتهم المستقلة (مركب الشعب المختار المنفي أو الشعب العضوي المنبوذ). ولكن الجماعة الوظيفية (والوظيفة ذاتها) هي، في واقع الأمر، موضع الولاء الفعلي والمباشر لعضو الجماعة الوظيفية، فهي أساس وجوده وهويته. إلا أن المعجم الحضاري لأعضاء الجماعة الوظيفية لا يختلف في واقع الأمر عن معجم مجتمع الأغلبية إلا في بعض التفاصيل الخاصة، فهم آلة لا وطن لها اسماً، ولكنهم يعيشون فعلاً في المجتمع المضيف، يؤدون وظيفتهم فيه بشكل يومي، ومن ثم فهويتهم هوية وهمية.

د)  ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية:

يُطوِّر طرفا العلاقة (أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف) رؤية أخلاقية ثنائية، فما يسري على الواحد من قيم أخلاقية مطلقة لا يسري على الآخر، باعتبار أن الآخر في هذه العلاقة يقع خارج نطاق الحرمـات والمطلقات الأخلاقية وباعتبار أن الجماعـة الوظيفية شـعب مختار، ويحاول كل طرف تعظيم منفعته ولذته مستخدماً الآخر.

هـ)  الحركية:

لكل هذا، يتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بالحركية البالغة، وهذا أمر مرتبط بكونهم عنصراً نافعاً وآلة يمكن نقلها من مكان إلى آخر.

و)  التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع:

ينجم عن هذا الوضع تَأرجُّح شديد بين تمَركز حول الذات (الوظيفة باعتبارها الذات والهوية) وتمَركز حول الموضوع (الوظيفة باعتبارها خدمة تؤدى للمجتمع). فعضو الجماعة الوظيفية قد يكون عضواً في شعب مختار ولكنه أيضاً أداة في يد المجتمع (التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع والثنائية الصلبة)، وتظهر عقدة الاختيار، الذي يواكبه شعور عميق بالحتمية.

وتوجد جماعات وظيفية في معظم المجتمعات التقليدية، ولكن لاحظنا أن الحضارة الغربية تميل نحو حوسلة البشر، ومن ثم تتضح ظاهرة الجماعات الوظيفية بشكل متبلور فيها. وقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية فيها دور الجماعات الوظيفية، بحيث أصبح اليهودي هو الإنسان الوظيفي، وهذا هو أساس العداء لليهود واليهودية. وقد تفاقم الوضع مع عصر النهضة في الغرب حينما بدأت الجماعات الوظيفية اليهودية تفقد دورها الوظيفي.