الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة

يتم الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة من خلال عمليات تاريخية طويلة مركَّبة، تأخذ شكل متتالية تاريخية متعددة الحلقات، بعضها واضح ومُحدَّد والبعض الآخر يَصعُب إدراكه وتحديده. ولكن جوهر هذه العملية هو تصاعُد الترشيد المادي بحيث يصبح كل مجال من مجالات الحياة خاضعاً للقوانين الكامنة فيه يستمد معياريته من ذاته (أي أن تصاعُد الترشيد هو أيضاً تصاعُد معدلات الحلول) فيحكم على المجال الاقتصادي بمعايير اقتصادية، وعلى المجال السياسي بمعايير سياسية، وعلى المجال الديني بمعايير دينية وهكذا، ويصبح كل مجال مكتفياً بذاته، ومرجعية ذاته، فهو متماسك بشكل عضوي لا يعرف الثنائيات ولا الثغرات والانقطاع (أي أنه يكتسب سمات الطبيـعة/المادة)، منعزل عما سواه من المجالات، لا يربطه رابط بها. وينتـج عن هذه العملية الانفصال التدريجي لمختلف مجالات الحيـاة عن المنظومات الدينيـة والأخـلاقية وعن الغائيات الإنسانية. وهكذا تتفتَّت مجالات الحياة الإنسـانية وتتحـوَّل إلى مجالات غير متجانسة غير مترابطة، وحينما تواجه الذات الإنسانية العالم تجده منفصلاً عنها، غريباً عليها، مفتتاً، مجرد مادة نسبية محايدة خاضعة لحركة المادة وحسب.