الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













القداسة

«الشيء المقدَّس» يتم فصله عما حوله ويُحاط بمجموعة من المحرمات الطقسية بحيث لا يقترب الموجود العادي من الشيء المقدَّس إلا إذا قام بطقوس تمهيدية وتطُّهرية تؤهله للاتصال به. وهذا يعود إلى أن الشيء المقدَّس يشير إلى المبدأ الواحد، مصدر التماسك والوحدة.

والشيء المقدَّس في المنظومات التوحيدية يكون مقدَّساً بمعنى مجازي، وتظل قداسته مرتبطة بكونه إشارة إلى الإله العلي ورمزاً عليه، ليس إلا.

أما في المنظومات الحلولية الكمونية، فإن الشيء المقدَّس تنتقل إليه القداسة بشكل شبه مادي (كانتقال المادة السائلة أو الشحنة الكهربائية) من الإله الكامن. ولذا، تورَّث القداسة من الأب إلى الابن. وقد تتركز في عنصر واحد (ولي الله ـ الشعب المختار)، وعادةً ما يتأله العنصر موضع القداسة فيتحلل من القيم الأخلاقية ويصبح الآخر بالنسـبة له مدنَّسـاً مباحـاً. وقد يتسع نطاق القداسة ليشمل الكون بأسـره، فيحل الإله في كل المخلوقات فتصبح ممتلئة بالقداسة بالدرجة نفسها (وحدة الوجود والحلولية الكمونية)، ويصبح كل شيء مقدَّساً وتُصفَّى الثنائيات والخصوصيات وتختفي الحدود والهويات. ومن ثم يتساوى المطلق والنسبي، والروحي والمادي، والإلهي والزمني، والإنساني والطبيعي، والديني والعلماني، والمقدَّس والمدنس، أي أن كل الأمور تصبح نسبية مباحة لا قداسة لها (ونزع القداسة عن العالم هي قمة النزعة العلمانية الشاملة).

ولكل مجتمع مقدساته (ومطلقاته) ولا يوجد مجتمع على وجه الأرض (مهما كانت درجة علمانيته وإلحاده) بغير مقدسات. فلا يُوجَد مجتمع إنساني واحد حتى الآن يسمح بقتل الإنسان للتسلية، لأن الحياة الإنسانية مقدَّسة، كما لا يُوجَد مجتمع يسـمح لإنسـان أن يذهب إلى دار القضاء أو الجامعة عارياً لأن للقضاء حرمته وللجامعة حرمتها (ولذا نتحدث عن «الحرم الجامعي»)، وهكذا. ولا يُوجَد مجتمع لا يستند إلى عقد اجتماعي يستند بدوره إلى مجموعة من القيم الأولية القَبْلية المقدَّسة التي تسبق عملية التفكير ذاتها ولا يتم التساؤل بشأنها، ولذا فهي يُطلَق عليها أحياناً مصطلح «القيم ما قبل المعرفية».