الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













المسافة والحدود والحيز الإنساني

«المسافة» (ومصطلحات أخرى مثل «المساحة» و«الثغرة» و«الهوة») مرتبطة تمام الارتباط بفكرة الحدود. والمنظومات المعرفية التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة (مثل العقائد التوحيدية) ترى أن ثمة مسافة تفصل بين الخالق والمخلوق. ولذا، فهي تحتفظ بالحدود الفاصلة بين الخالـق العلي المتجاوز ومخلوقاته، وهذا يعني أن المخلوق له حدوده لا يتجاوزها، ولكنها تعني أيضاً أنه هوية مُحدَّدة وجوهر مستقل، ومن ثم فهو كائن حر مستقل مسئول. ولذا فنحن نسمي المسافة «الحيز الإنساني» (و«الحيز الطبيعي»). والمسافة بين الخالق والمخلوق يمكن أن تصبح ثغرة أو هوة إن ابتعد المخلوق عن خالقه وانعزل عنه ونسي أصله الرباني الذي يميِّزه عن بقية الكائنات. ولكن إن حاول الإنسان التفاعل مع الإله وتَذكَّر أصوله وأبعاده الربانية التي تميِّزه عن الكائنات الطبيعية، فإن المسافة تتحول إلى مجال للتفاعل وحيز إنساني يمارس الإنسان فيه إنسـانيته ويصبح الإنسان نفسـه كائناً مُسـتخلَفاً في الأرض يشـغل المركز. وتنجم عن هذا مجموعة من الثنائيات هي صدى الثنائية الفضفاضة الأولية: خالق/مخلوق ـ إنسان/طبيعة ـ خير/شر ـ روح/جسد ـ دال/مدلول... إلخ.

أما في المنظومات التي تدور في إطار المرجعية الكامنة (مثل النظم الحلولية)، فإن المخلوق يحاول أن يضيق المسافة بينه وبين الخالق تدريجياً إلى أن يصل الإنسان إلى الإله ويلتصق به ثم يتوحد معه، ويصبح الخالق ومخلوقاته وحدة واحدة فتختفي المسافة ومن ثم الحيز الإنساني ويُردُّ الكون بأسره إلى مبدأ واحد وتسود الواحدية المادية وتُلغَى كل الثنائيات والخصوصيات.