الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













نموذج معرفي

«النموذج المعرفي» هو النموذج الذي يحاول أن يصل إلى الصيغ الكلية والنهائية للوجود الإنساني (وكلمة «كلي» في هذه الموسوعة تفيد الشمول والعموم، بينما تعني «نهاية الشيء» غايته وآخره وأقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء). وتدور النماذج المعرفية حول ثلاثة عناصر أساسية: الإله ـ الطبيعة ـ الإنسان. ونحن نركز على الإنسان (الموضوع الأساسي للعلوم الإنسانية)، ولكن من خلال دراسته يمكن أن نحدد موقف النموذج من العنصرين الآخرين (الإله والطبيعة). وفي محاولة دراسة صورة الإنسان الكامنة في أي نموذج معرفي، يستطيع الدارس أن يطرح مجموعة من الأسئلة تدور حول ثلاثة محاور أساسية يجمعها كلها عنصر واحد هو التجاوز:

أ)  علاقة الإنسان بالطبيعة/المادة: هل الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة أم هو جزء يتجزأ منها له استقلال نسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي/مادي محض أم أنه يتميَّز بأبعاد أخرى لا تَخضَع لعالم الطبيعة/المادة (الواحدية في مقابل الثنائية)؟ هل الإنسان سابق للطبيعة/المادة، متجاوز لها، أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟ هل يدرك الإنسان الطبيعة بشكل سلبي مُتلقٍّ، أم بشكل إيجابي إبداعي خلاق؟

ب)  الهدف من الوجود: هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون؟ هل هناك غرض في الطبيعة أم أنها مجرد حركة دائمة متكررة أو حركة متطورة نحو درجات أعلى من «النمو والتقدم» أم حركة خاضعة للصدفة؟ ما هو المبدأ الواحد في الكون، أو القوة المحركة له، الذي يمنحه هدفه وتماسكه، ويضفي عليه المعنى، هل هو كامن فيه أم متجاوز له؟

جـ)  مشكلة المعيارية: هل هناك معيارية أساساً؟ ومن أين يستمد الإنسان معياريته: من عقله المادي، أم من أسلافه، أم من جسده، أم من الطبيعة/المادة، أم من قوى متجاوزة لحركة المادة؟

ونحن نضع التحليل السياسي والاقتصادي، ذلك التحليل الذي يكتفي برصد العناصر السياسية والاقتصادية في الوجود الإنساني ويُهمِّش العناصر الأخرى، مقابل التحليل المعرفي. ومع هذا، لابد أن يُعبِّر أي خطاب سياسي اقتصادي، مهما بلغ من سطحية، عن الأسئلة الكلية والنهائية (الخاصة بطبيعة الإنسان والهدف من وجوده ومصدر معياريته)، فكل قول وكل نص يحتوي على نموذج معرفي إما ظاهر أو كامن.