الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية

Dezionization of the Zionist State

ينطلق مفهوم «نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية» من إدراك أن الصراع القائم في الشرق الأوسط الآن ليس نتاج "كُره عميق وأزلي" بين العرب واليهود أو بين اليهود والأغيار، وأنه ليس نتيجة العُقد التاريخية والنفسية (كما يدَّعي الصهاينة)، وإنما هو وضع بنيوي يُولِّد الصراع نشأ عن تطور تاريخي وسياسي وبشري محدد. وطالما ظل هذا الوضع قائماً يظل الصراع قائماً. وأنه لا سبيل لإنهاء الصراع إلا من خلال فك بنية الصراع ذاتها.

وقد يقول البعـض إن هذه مقولات قد عفى عليها الزمن وأن هناك "إسرائيل جديدة" أو "إسرائيل أخرى" غير صهيونية وغير متلهفة على التوسع الصهيوني... إلخ. وردنا على هذا هو أن إسرائيل القديمة لم تكن دولة مثل أية دولة أخرى ولم تكن مجرد شعارات لفظية رنانة، وإنما هي دولة وظيفية استيطانية إحلالية، ثم تحولت إلى دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية، زُرعت زرعاً في المنطقة العربية لتضطلع بوظيفة محددة (حماية المصالح الغربية) مقابل الدعم الغربي لها وضمان بقائها واستمرارها. فوظيفيتها هي ذاتها استيطانيتها وعنصريتها. وقد عبَّرت إسرائيل القديمة عن نفسها من خلال بنية متكاملة من القوانين العنصرية (قوانين العودة والجنسية) والمفاهيم العدوانية (نظرية الأمن - مفهوم السلام - مفهوم الحكم الذاتي) والمؤسسات الاقتصادية الاستبعادية (الكيبوتس - الصندوق القومي اليهودي) ومؤسسات القمع التي تتمتع بكفاءة عالية (المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - الموساد - الشين بيت... إلخ).

ولا يمكن توقع أي سلام في إطار بنية القمع والظلم والعدوان هذه، أي في إطار الدولة الوظيفية الصهيونية الاستيطانية، بينما يمكن أن نتحرك نحو قدر معقول من السلام من خلال نزع الصبغة الصهيونية الاستيطانية عنها. ونزع الصبغة الصهيونية سيؤدي بلا شك إلى فك الجيب الاستيطاني الصهيوني، ومثل هذا الأمر ليس مخيفاً أو فريداً، فجميع الجيوب الاستيطانية الأخرى بلا استثناء قد تم فكها، وانتهت الظاهرة الاستيطانية البغيضة إما برحيل المستوطنين الغزاة الوافدين أو استيعابهم (هم وأبنائهم) في السكان من أصحاب الأرض الأصليين. ونزع الصبغة الصهيونية الذي نقترحه لا يعني إبادة الإسرائيليين أو القضاء على هويتهم الإسرائيلية أو اليهودية (كما يحلو للبعض أن يصور الأمر)، وإنما يعني خلق الإطار القانوني والسياسي، الإنساني والأخلاقي، الذي يزيل أسباب التوتر والصدام.

ولعل ما حدث في جنوب أفريقيا (فك الجيب الاستيطاني بطريقة سلمية بعد أربعة قرون من الظلم والاستغلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني الشرس) يمكن أن يكون نموذجاً يُحتذى، ومؤشراً على ما يمكن أن يحدث في الجيب الاستيطاني الصهيوني. ولعل جوهر نزع الصبغة الصهيونية هو فصل المسألة الإسرائيلية عن المسألة اليهودية، بحيث يرى الإسرائيليون أنفسهم باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المنطقة (وليس كما يقول أبا إيبان: في المنطقة ولكن ليسوا منها).

وعملية نزع الصبغة الصهيونية لا تتم بالضرورة دفعة واحدة وإنما يمكن أن تبدأ بإعلان النوايا واتخاذ خطوات قد تكون رمزية ولكنها ذات دلالة عميقة مثل أن تلغي الدولة الصهيونية قانون العودة و"دستور" الصندوق القومي اليهودي وتوقف بناء المستوطنات وتعلن عن استعدادها للتمسك بالقوانين والمواثيق الدولية وعن "نيتها" تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم والانسحاب من الضفة الغربية. كما يمكن تجاوز الهاجس الأمني وعقلية الحصار عن طريق الإعلان عن نبذ العنف كآلية لحسم الصراع. ويتبع ذلك خطوات أكثر عملية مثل إلغاء الصندوق القومي اليهودي نفسه وفك المستوطنات وتعريف الحدود الدولية للدولة الجديدة وتشكيل لجان للتحقيق في المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين لتعويضهم مادياً ومعنوياً. ثم يمكن بعد ذلك أن تبدأ الدولة الجديدة في السماح للفلسطينيين بالعودة إليها والسكنى فيها في إطار مقدرتها الاستيعابية، وهي ولا شك عالية، فإسرائيل الصهيونية الاستيطانية، قد نجحت في استيعاب أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي سوفيتي في العشر سنين الأخيرة، رغم أنهم ليسوا من أبناء المنطقة، كما أن مؤهلات بعضهم كانت عالية لدرجة كبيرة لم يكن التجمُّع الصهيوني في حاجة إليها. على عكس الفلسطينيين فهم أبناء المنطقة يعرفونها أرضاً وجواً وبحراً، وأعداد كبيرة منهم تعمل بالفعل داخل الاقتصاد الإسرائيلي وعندهم من المؤهلات والكفاءات ما يسهل عملية استيعابهم. وستكون القدس عن حق هي العاصمة الموحدة والأبدية للدولة الجديدة، وهي دولة متعددة الأديان ولذا فهناك مجال للهوية الدينية اليهودية أن تعبِّر عن نفسها في إطارها. ويتوج كل هذا باندماج الدولة الجديدة في نظام إقليمي نابع من مصالح سكان المنطقة أنفسهم ومن منظوماتهم الحضارية والأخلاقية. وعلى الجانب الفلسطيني لابد من إعلان أن الإسرائيليين ممن وُلدوا ونشأوا في فلسطين بل ومن استوطنوا فيها ويودون أن تكون فلسطين وطناً لهم، لهم حق المواطنة الكاملة في هذه الدولة الجديدة التي تلتزم بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الشعوب والأفراد والتي تضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وبهذا يمكن أن يحل إجماع إنساني جديد (إجماع يفسح مجالاً لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين) محل الإجماع الصهيوني البغيض، الاستبعادي العنصري.

وقد يقول قائل إن الإسرائيليين "انتصروا" في كل الحروب مع العرب، ومن ثم على العرب التحلي "بالواقعية" وقبول الشروط الصهيونية، بدلاً من تقديم اقتراحات مستحيلة هي من قبيل الحلم المثالي من شأنها هدم الدولة الصهيونية من أساسها! ساعتها سنقول لهم بالفعل إن اقتراحاتنا تهدف إلى هدم إسرائيل الاستيطانية العنصرية وإفساح المجال أمام الجميع. أما بخصوص هزيمة العرب، فالمقاومة والحمد لله لم تنته وباب الاجتهاد بخصوص الحوار المسلح والجهاد لا يزال مفتوحاً، ولا يوجد أي مبرر لقبول الأمر الواقع باعتباره مطلقاً ونهائياً. والحرب ضد العنصرية هي واجب إنساني لابد أن نشارك فيه كعرب وكمسلمين، ولا يمكن أن نكف عن مقاومة الظلم والظالم إلا بعد أن يكف عن استبعادنا واستعبادنا، والتعالي علينا، واستغلالنا واحتلال أرضنا وهدم منازلنا وضرب آبائنا وأبنائنا.

والحل الذي نطرحه قد يكون بالفعل جذرياً ومثالياً، ولكنه مع هذا قابل للتنفيذ وهو أفضل بكثير من الأمر الواقع والوضع القائم، نتاج حالة الحرب الدائمة أو الراقدة والهدنة المؤقتة، والذي يستند إلى موازين القوى الداروينية، وكل أنواع الأسلحة من السلاح النووي والأبيض إلى الحجارة والعصيان المدني. وهو وضع لم يأت لأحد بالسلام أو الطمأنينة. ولعل تعود الإنسان الحديث على منظر الدماء وإدمانه لصوت المتفجرات وتقبله للعنف والقوة كسبيل وحيد لحسم الصراعات هو السبب الكامن وراء الاستخفاف الذي تُقابل به الحلول الإنسانية الحذرية، ووراء الهرولة نحو محاولات السلام التي تهدف إلى ترجمة الوضع القائم المبني على الحرب إلى وضع سلام دائم، وهو أمر مسـتحيل فهو ضد طبيعة الأشياء، فمثل هذا السلام تقوضه بنية الظلم التي تولِّد التوتر والصراع الدائم.

الرجوع إلى فهرس الجزء الخامس من المجلد السابع