الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













أعراض ننتنياهو: الإدراك الإسـرائيلي للسـلام في الوقــت الحــاضر

The Netentyahu Syndrome: Israeli Perception of Peace at the Present

الحديث عن «السلام» في الظروف القائمة في الشرق الأوسط وفي ظل الموازين الراهنة كان تجاوزاً في حق المعنى الذي تدل عليه الكلمة! ذلك أن السلام لم يكن القضية المطروحة لا من جانب بيريز ولا من جانب نتنياهو.

إن السلام ـ لكي لا يَنْسى أحد ـ يقيمه توازن في القوى تشعر معه كل الأطراف أن لها مصلحة فيه تُعطي من أجلها بمقدار ما تأخذ. إذن فإن السلام قسمة متكافئة، وخصوصاً حين تلتحق به أوصافه الطبيعية كالعادل والشامل. أما حين تميل الموازين وتُرجَّح تماماً لصالح طرف واحد، فإن هذا الطرف لا يكون مسعاه من أجل السلام، وإنما يكون مسعاه من أجل تثبيت وترسيخ انتصاره، أي أن هدفه يصبح النصر وليس السلام.

والحاصل أن هذه النقطة هي مكمن الاتفاق ومكمن الخلاف في اللحظة نفسها بين بيريز ونتنياهو. كلاهما يشعر أن إسرائيل في وضع يسمح لها بتجاوز حدود السلام إلى حدود النصر. لكن بيريز له رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على حلم شرق أوسطي مركزه إسرائيل. أما نتنياهو فله رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على أولوية أن تكون "كامل أرض إسرائيل" هي القاعدة التي يتحلق حولها الشرق الأوسط بحقائق القوة، وهذا هو إطار الحلم الشرق أوسطي! أي أن كلاً من الرجلين لا يتحدث عن السلام بالمعنى الذي يتصوَّره العرب، وإنما يتحدث عن نصر جاء وقته وتسمح الموازين الآن بتثبيته وترسيخه. وفي هذه النقطة وليس في غيرها ينحصر الخلاف بين الرجلين: ليس عن السلام وإنما عن النصر! أولهما بحلم الشرق أوسطية يفتح الأفق الأوسع، والثاني بحلم كامل أرض إسرائيل يصنع المركز القاعدة!

وصوَّت الناخبون في إسرائيل، وظهرت نتائج أصواتهم، وكان انحيازهم واضحاً لنتنياهو. والتحليل التفصيلي لمعنى الأرقام التي حَمَلت نتنياهو إلى رئاسة الوزارة في إسرائيل كاف لإظهار عدة حقائق:

1 ـ  أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.

2 ـ  أن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام، وإنما يريد ـ كما يُقال ـ أن يعطي "السلام مقابل السلام". وهذا معناه بالضبط تثبيت وترسيخ النصر دون حاجة إلى تكافؤ في المبادئ أو في المصالح، بعد أن بطَل التكافؤ في موازين القوى.

3 ـ  أن هذا المجتمع ليس جاهزاً لكي يبت في المؤجلات المعلقات وهي كثيرة (المستوطنات ـ اللاجئون ـ الحدود النهائية).

ثم إنه ليس مستعداً على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس مع العلم بأن أقصى ما كان يفكر فيه بيريز هو رفع علم عربي ـ أي علم عربي أو إسلامي! ـ على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة. وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية، كان اقتراحه ـ جاداً ـ إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يُطلَق عليها اسم «القدس العربية»، وذلك يحل المعضلة!

4 ـ  إن هذا المجتمع يريد إسرائيل دولة يهودية، ولعل متابعة عدد الأصوات طوال نهار الانتخابات ودراسة حركة الإقبال مع ساعات هذا النهار توضحان:

أ)  أن هذا المجتمع يرفض أن ينجح رئيس وزرائه بأصوات عربية.

ب)  أن هذا المجتمع يرفض ـ مع ملاحظته لاتجاه الأصوات العربية ووزنها ـ أن يقبل تحويل إسرائيل إلى دولة متعددة القوميات.

5 ـ  أن هذا المجتمع في إسرائيل لا يستطيع أن يعيش إلا بالأسطورة التوراتية رغم كل مظاهر التقدم في حياته، والدليل أنه في هذه الانتخابات الحاسمة كان المستفيد الأساسي بمعايير القوة هو الأحزاب الدينية. فكل الأحزاب التي تقول بالعصر ـ مهما كانت درجة استيعابها للعصر ـ فَقَدت من مقاعدها، سواء في ذلك الليكود أو العمل. أما الأحزاب التي ربحت فهي أحزاب: شاس (10 مقاعد)، والحزب الديني القومي (9 مقاعد)، وإسرائيل بعاليا (7 مقاعد)، وحزب المفدال (وإليه ينتمي قاتل رابين) (4 مقاعد)، وحزب موليديت (مقعدان). وهذه هي الأحزاب المرجحة لأي ائتلاف حكومي في إسرائيل، لأن المجتمع لا يأتمن حزباً واحداً بأغلبية كاملة، أو حزبين مع احتمال ائتلاف صريح بينهما.

6 ـ  إن هذا المجتمع ـ رغم ذلك ـ يريد وجوهاً جديدة. وبموت موشى ديان، واغتيال إسحق رابين، وسقوط شيمون بيريز، فإن الجيل الأول بعد جيل المؤسسين (وايزمان ـ بن جوريون ـ بيجين) قد اختفى من الساحة، بينما يتقدم جيل جديد في الخمسين من عمره أو أقل. فتلك هي القاعدة التي تؤمن بها المجتمعات التي تعرف قيمة تعاقب الأجيال، حتى إن كانت من نوع هـذا المجتـمع الغريب الأقرب ما يكون بكتله وأفراده، وتصرفات الكل وسلوكهم، إلى المجتمعات القَبَلية رغم التكنولوجيا العالية.

ومن اللافت للنظر أن كل الذين بقوا من الجيل القديم (الجيل الثاني بعد المؤسسين) كانوا، وبغير استثناء، من معسكر الحرب وليسوا من معسكر السلام. وتكفي في ذلك الإشارة إلى الجنرالات: شارون، وموردخاي، وإيتان. وهم جميعاً رجال مارسوا القتل بأيديهم خارج ميادين القتال في أكثر الأحوال، وكلهم اقتحموا طريقهم إلى أهم المواقع في الوزارة الجديدة عنوة في معظم الأحيان، وابتزازاً في أحيان أخرى!

7 ـ  إن المفارقة الكبرى التي تلفت النظر على ساحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في هذه الظروف هي: أن العرب راجعوا أنفسهم ـ بحق أو بغير حق ـ في خطاب الحرب، وقبلوا خطاب السلام. وأن الإسرائيليين لم يراجعوا أنفسهم ـ عملاً وفعلاً ـ في خطاب السلام، بل إنهم في لحظة الحقيقة أعرضوا عنه وأثبتوا أنه ليس اختيارهم الطوعي أو الطبيعي!

ولم يكـن هـناك ما يغفر لبيريز: لا قربه من بن جوريون منشئ الدولة، ولا إشرافه على المشروع النووي الإسرائيلي حاميها النهائي، ولا حصوله على اتفاق أوسلو وأبسط ما فيه تحقيق الشرعية القانونية النهائية لقيام الدولة اليهودية، وهي اعتراف صاحب الحق الفلسطيني بالرضا والقبول والتوقيع بأن ملكيته انتقلت إلى مالك آخر: إسرائيل!

الرجوع إلى فهرس الجزء الخامس من المجلد السابع