الحمائم والصقور والنعام والطيور الإدراكية الأخرى: الاستجابة الاسرائيلية للانتفاضة
Hawks, Doves, Ostriches and Other Cognitive Birds: The Israeli Response to the Intifada
تم رصد استجابة المستوطنين الصهاينة للانتفاضة من خلال مقولتين اثنتين وحسب: الاعتدال والتشدُّد اللذين يُشار لهما بالحمائم والصقور. وهذه طريقة متعسفة جداً في الرصد، ولعلها تعود إلى تبسيطات النموذج المادي الإدراكي الذى يحوِّل الإنسان المركب إلى مادة بسيطة ثم ينظر لها من الخارج كما لو كانت مجرد حركة دون دوافع أو وعي. وتميل التصنيفات المادية إلى تصنيف الواقع بأسره إلى سالب وموجب والنظر إليه بشكل كمي براني.
وقد يكون من المفيد توسيع النموذج الإدراكي بما يتفق مع تركيبية الظاهرة الصهيونية فتضم للحمائم والصقور طيوراً إدراكية أخرى مثل الدجاج والنعام (وتنويعات عليها). والحمائم كما يُقال مسالمة دئماً، والصقور يُفترَض فيها أنها عدوانية شرسة. أما الدجاج فهو متخصص في الهرب، ويجيد النعام فن دفن رأسه في الرمال. والنعام هو أكثر أنواع الطيور الإدراكية انتشاراً في المُستوطَن الصهيوني وبخاصة بعد الانتفاضة، وإن كنا لا نعدم عدداً كبيراً من الدجاج الذى يتحدث كالصقور، وتوجد قلة نادرة من الحمائم ليس لها وزن كبير (على عكس ما تصوره الشائعات)، وإن كان يوجد عدد كبير من الصقور التى تتحدث كالحمائم. ويقول الدكتور قدري حفني: إن اليهود الشرقيين مثلاً هم حمائم تود أن تكون صقوراً لتثبت إخلاصها للنخبة الحاكمة الإشكنازية. وقد أسقط كثير من المعلقين السياسيين كل التدرجات والتداخلات من إدراكنا لأن نموذجهم المعرفي قاصر ساذج يحوى مقولتين اثنتين، ولذا لم نر الدجاج أو النعام ولا عشرات الطيور الإسرائيلية الأخرى القابعة التى تنتظر من يكتشفها ويرصدها.
1 ـ الحمائم:
وجهت صحيفة حداشوت سؤالاً إلى عدد من الإسرائيلين البارزين الذين يمثلون مختلف التيارات السياسية والثقافية. يقول: ماذا كنت تفعل لو كنت فلسطينياً؟ فجاء رد معظمهم بأنهم كانوا سيفعلون ما يفعله الفلسطينيون الآن، أى الانضمام للانتفاضة. بل أضاف أحدهم أنه «كان سيفعل أكثر من ذلك بعشرة أضعاف، وقبل هذا الوقت بكثير. وكنت سأفعل ذلك في ديزنجوف (أحد شوارع تل أبيب الرئيسية) بدلاً من نابلس. فهناك سيكون تأثيره أقوى». وهذا التصريح المسالم لا يؤدي بالضرورة إلى سلوك حمائمي، فموشي ديان كان مدركاً تماماً "لعدالة" المطالب العربية، وأن العرب سيثورون حتماً ويقاتلون ضد الصهاينة. ولكن مثل هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الانحياز للمظلومين المنتفضين، فما يحدِّد السلوك النهائي ليس الإدراك وحسب، وإنما موازين القـوى أيضاً ومجموعـة هائلة من العناصر الأخرى المادية والمعنوية. فإن كان العربي ضعيفاً خاملاً، فإن إدراك «عدالة» مطالبه قد يؤدي إلى مزيد من التشدد لأن صاحب المطالب العادلة قد يتحرك في أىة لحظة للحصول عليها، ولذا لابد من ضربه بيد من حديد قبل أن يصبح قوياً وقبل فوات الأوان. وهذا هو موقف بن جوريون وجابوتنسكي وشلومو أرونسون وغيرهم. ولذا يمكن القول بأن المثقفين الإسرائيليين الذى عبَّروا عن تفهمهم لموقف العرب ليسوا «حمائم بالفعل» وإنما «هم حمائم بالقوة» بالمعنى الحرفي والفلسفي. وهذه الاستجابة الحمائمية محصورة في أوساط المثقفين وبعض الشخصيات السياسية التي ليس لها وزن كبير، ولا أعتقد أنها تؤثر في الرأي العام الإسرائيلي أو في صنع القرار الإسرائيلي.
2 ـ الدجاج:
الدجاج موجود بكثرة، مثل يائيل إسكيد الذي قرر أنه «لا يذهب الآن إلى غزة سوى الحمقى المستوطنين. ولا يذهب أحد إلى الضفة إلا لسبب وجيه، سبب وجيه جداً. فنحن خائفون». وعملية «تدجين» المواطنين على يد جنرالات الحجارة لا تزال قائمة على قدم وساق. وقد ذكرت الصحف الإسرائيلية أن المستوطنين في زمن الانتفاضة لا يسافرون إلا فيما ندر، ولا يتركون الأطفال بمفردهم ولا يخرجون إلا لأمور ضرورية. وشاهدت العائلات اليهودية جدلاً حاداً إذا ما أرادت السفر. فإذا سافر مستوطن وحده، فهو «مغامر» أما إذا اصطحب زوجته وأطفاله، فهو «مجنون».
وأكدت مستوطنة صهيونية أن بريق المستوطنات قد خفت وحينما تمر حافلة المستوطنين بجوار مخيم عاناتا (الفلسطيني) فإنها تسرع بطريقة مجنونة لتتحاشي الأحجار. وبدأ المستوطنون يسدلون الستائر ويغلقون المداخل بعد أن كانت المستوطنة تتمتع بجو انفتاحي بهيج. فالوضع، كما تقول السيدة، مخيف، وخصوصاً أنها تعرف أن الجنود الإسرائيليين أوقفوا مظاهرة من 600 عربي كانت متجهة نحو المستوطنة: "ماذا كان يمكن أن يحدث لنا لو أن الجنود فشلوا في إيقافهم؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لأطفالنا؟".
|