الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الصهيونيــــــــة: دال بــلا مــــــدلول

Zionism: A Signifier without Signified

كلمة «صهيونية» تشير إلى مجموعة الأفكار التي كان المفروض فيها أن تهدي المستوطنين في ممارستهم وأفعالهم ولكنها بدلاً من ذلك وضعتهم في ورطة تاريخية، ولذا فَقَدت الكلمة كثيراً من جلالها ورومانسيتها، بل دلالتها. فقد أصبحت دالاً دون مدلول، كلمة فارغة من المعنى. وهذا أمر كان متوقعاً، فالصهيونية بأسرها هي حركة تستند  إلى شعار يؤكد  ضرورة فصل الدال عن المدلول : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. فالأرض المشار إليها بأنها «بلا  شعب» هي أرض الفلسطينيين، وهو ما يعني ضرورة فصل الأرض عن الشعب الذي يقطن فيها والتي  سماها باسمه ومنحها الهوية والدلالة. أما الشعب الذي لا أرض له،  فهو الجماعات اليهودية التي تقطن في أنحاء العالم،لا تبحث عن وطن جديد لها، فهي قانعة بأوطانها، وهذا يعني أن الشعار الصهيوني يحاول أن يفصل الجماعات اليهودية عن واقعها المتنوع وعن أوطانها التي تقطن فيها والتي تمنحها اسمها  (يهود أمريكا ـ يهود إنجلترا... إلخ)، كما تمنحها الهوية والدلالة.

وقد لاحظ أحد الكُتَّاب الإسرائيليين أن الصيغتين «صهيوني» (بالعبرية: تسيوني tzioni) و«غير المكترث» (بالعبرية: تسيني tzini) لا يوجد فارق كبير بينهما. والفارق بينهما في الإنجليزية هو حرف (o)، أي زيرو. فالصهيونية، هذه الأيديولوجية المشيحانية التي تدَّعي أنها القومية اليهودية، والتي تتطلب الحد الأقصى من الحماس والالتزام، فَقَدت دلالتها وأصبحت  شيئاً لا يكترث به اليهود أعضاء هذه القومية المزعومة الذين تحاول الصهيونية "تحريرهم" من أسرهم في "المنفى"!

ويشير أحد الكُتَّاب الفكاهيين في إسرائيل إلى أن كلمتي «زايونيزم Zionism» الصهيونية و«زومبي Zombie» (وهو الميت الذي أُعيدت له الحياة بعد أن دخلت جسده قوة خارقة، ولذا يمكنه الحركة ولكنه لم يستعد لا القدرة على الكلام ولا حرية الإرادة)  تردان في نفس الصفحة من المعجم الإنجليزي، الأمر الذي يدل ـ حسب تصوُّره ـ على ترابطهما، وأن الصهيونية إن هي إلا زومبي، أي جسد متحرِّك لا حياة فيه ولا معنى له. وهذا الكاتب الكوميدي لم يجانب الحقيقة كثيراً، فهناك العديد من المستوطنات الفارغة، تنعى من بناها، لا يسكن فيها أحد، ويُطلَق عليها بالإنجليزية: دمي ستلمنت dummy settlement. وقد آثرنا ترجمتها بعبارة «مستوطنات الأشباح»  أو «مستوطنات زومبي»، فهي جسد قائم لا حياة فيه.

ونظراً لكل هذه التطورات أصبحت كلمة «صهيونية» (تسيونوت بالعبرية) تعني «كلام مدع أحمق» (الجيروساليم بوست 26 أبريل 1985) وتحمل أيضاً معنى "التباهي بالوطنية بشكل علني مُبالَغ فيه"، وتدل على الاتصاف بالسذاجة الشديدة في حقل السياسة (الإيكونومست 21 يوليه 1984وكتاب برنارد أفيشاي مأساة الصهيونية، ص 26). ومن الواضح أن حقل الكلمة الدلالي أو منظورها يشير إلى مجموعتين من البشر: صهاينة الخارج، أي الصهاينة التوطينيين الذين يحضرون إلى فندق صهيون ويحبون أن يسمعوا الخطب التي لا علاقة لها بالواقع، ولذا فهي ساذجة، مليئة بالادعاءات الحمقاء والتباهي العلني بالوطنية. وتشير في الوقت نفسه إلى الصهاينة الاستيطانيين الذين يعرفون أن الخطب التي عليهم إلقاؤها إن هي إلا خطب جوفاء ومبالغات لفظية لا معنى لها، ولكن عليهم إلقاءها على أية حال حتى يجزل لهم الضيوف العطاء. والمقصود الآن بعبارة مثـل «اعطه صهيونية» هو «فلتتفوه بكلام ضخم أجوف لا يحمل أي معنى»، فهو صوت بلا معنى، وجسد بلا روح، ودال بدون مدلول. أو كما نقول بالعامية المصرية: «هجّص» فالمسألة «هجـص في هجـص»، ويمكن أن نضيف لزيادة الدلالة «والأرزاق على الله». أو فلنُعلمن العبارة ونقـول: «والأرزاق على الولايات المتحدة ويهود الدياسبورا».

الرجوع إلى فهرس الجزء الخامس من المجلد السابع