الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













أزمــة الهويــة اليهوديـة

Crisis of Jewish Identity

1 ـ  من هو اليهودي؟:

لعل أولى الخطوات التي تتخذها أية حركة بعث قومي أو حركة تحرُّر وطني هي تحديد الـ «نحن» ومنْ «هم»، ومنْ يقع داخل نطاق الهوية ومنْ يقع خارجها. وهذه الخطوة ليست أكاديمية أو حماسية أو مجرد ديباجة تبريرية وإنما هي من صميم الفعل السياسي، إذ أنها خطوة ضرورية لصياغة المشروع، بجميع جوانبه الحضارية والسياسية والاقتصادية، وللتعريف بمن سيتم تجنيده ومن سيتم استبعاده، وتحديد الصديق والعدو، وحدود الدولة، وهويتها، وسكانها، ومن يحق له الهجرة إليها وهكذا. وقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها حركة تحرير الشعب اليهودي ومرادفة للقومية اليهودية وبدأت من القول بأن اليهود شعب واحد يندرج داخله كل أعضاء الجماعات اليهودية وأن ثمة تاريخاً يهودياً واحداً يدورون جميعهم في إطاره. وانطلاقاً من هذا تقرَّر أن تؤسَّس الدولة اليهودية.

وقد نشب الصراع حول هذه الهوية اليهودية القومية الوهمية منذ البداية بين دعاة الإثنية الدينية (الصهيونية الدينية) ودعاة الإثنية العلمانية (الصهيونية الثقافية) وكان مركز الصراع مصدر يهودية اليهودي (الخالص المقدَّس) هل هو التطور التاريخي والتراث اليهودي والانتماء العرْقي، أم الاختيار الإلهي والتاريخ اليهودي المقدَّس؟ كما نشب صراع بين يهود الشرق والغرب وطُرح سؤال: هل اليهودي هو اليهودي الإشكنازي الأبيض وحده، أم أن مقولة اليهودي تشمل يهود العالم كافة متضمنة بذلك السفارد والفلاشاه؟ وأرجئ حسم الخلاف، واتفق الجميع على الإشارة مؤقتاً لكل الجماعات اليهودية بكل تنوُّعها الحضاري وانعدام تجانسها العرْقي على أنهم "اليهود" أو "الشعب اليهودي" بشكل عام مطلق مع التزام الصمت تجاه رقعة الخلاف. وقد ظلت حالة اللاحرب واللاسلم الهلامية سائدة حتى إقامة الدولة حين أُصدر قانون العودة الذي يعطي لأيِّ يهودي الحق في الاستيطان في فلسطين استناداً إلى "يهوديته" التي لم يتم تعريفها! وبذا تم وضع قضية الهوية (بل قضايا أخرى مثل "الشخصية اليهودية" و"وحدة الشعب اليهودي") على المحك.

وقد يقول قائل إن هذه الإشكالية هي من "مخلفات الماضي"، وأنها من الأمور الشكلية غير العملية التي لا تمس الجوهر، ولن تؤثر في سلوك المستوطن الصهيوني من قريب أو بعيد. ولكن مثل هذا القول سيكون من قبيل تطبيع النسق السياسي الصهيوني، أي النظر إليه كما لو كان نسقاً سياسياً طبيعياً وليس كياناً استيطانياً إحلالياً له ظروفه الخاصة التي تحدد طبيعته الخاصة. فتعريف اليهودي مسألة أساسية للعقد الاجتماعي الصهيوني للأسباب التالية:

أ)  إذا كان تعريف المسيحي في الولايات المتحدة مسألة شكلية، فإن هذا يعود إلى أن حكومة الولايات المتحدة لا تبحث عن شرعية مسيحية. ذلك أن مصادر شرعيتها تقع خارج نطاق الديانة المسيحية، بل ربما خارج التراث المسيحي ككل. أما الدولة الصهيونية فهي تدَّعي أنها يهودية وأنها تجسد قيماً (إثنية دينية أو علمانية) يهودية، وأنها استمرار للدولة اليهودية القديمة (ولذا يطلق الصهاينة على إسرائيل اصطلاح «الهيكل الثالث»). وانطلاقاً من هذا، تطلب الصهيونية من اليهود الالتفاف حولها ودعمها، وباسم هذه الهوية اليهودية المزعومة تقوم أيضاً بضم الأراضي. لكن الفشل في تعريف اليهودي يضعف مقدراتها التعبوية ويضرب أسطورة الشرعية في الصميم.

ب)  تدَّعي الدولة الصهيونية أنها دولة كل اليهود في أنحاء العالم. ومن المعروف أن المؤسسة الدينية في إسرائيل تصر على أن التهويد يجب أن يتم على يد حاخام أرثوذكسي، وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد أكثر من 80% من يهود العالم الذين يعرِّفون اليهودي على أسس لادينية أو لا يقبلون اليهودية الأرثوذكسية. فأغلبية يهود الاتحاد السوفيتي قد تحولوا إلى يهود إثنيين، أو يهود غير يهود، والمهاجرون منهم حينما يصلون إلى إسرائيل يواجهون الكثير من المتاعب بسبب إصرار المؤسسة الأرثوذكسية على تعريفها. كما أن كثيراً منهم طرف في زيجات مُختلَطة (أي من غير اليهود)، وبالتالي لا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية بأولادهم يهوداً. أما يهود الولايات المتحدة، فإن أعداداً كبيرة منهم من الإصلاحيين والمحافظين الذين لا يعترف الأرثوذكس بيهوديتهم.

جـ)  في أيامها الأولى، عرَّفت الصهيونية اليهودي على أنه اليهودي الأبيض (أي الإشكناز). وهي في هذا كانت متسقة تماماً مع نفسها، فقد كانت تقدِّم نفسها على أنها تجربة تتم داخل إطار التشكيل الاستعماري الغربي. ولكن، نظراً لملابسات الاستيطان نفسها ونظراً لطبيعة التكوين الإثني للمهاجرين، تم إخفاء هذا التعريف، الذي يعادل بين اليهودي والإشكنازي، عن الأنظار. ولكن إخفاءه عن الأنظار (أي اللجوء إلى الحل المراوغ) لا يحل المشكلة إذ أن القضية تثار بدرجات متفاوتة في الحدة. فالرؤية الكامنة التي توجِّه الدولة الصهيونية لا تزال أولاً وأخيراً رؤية إشكنازية تحاول القضاء على الأشكال الحضارية الشرقية التي أحضرها اليهود الشرقيون معهم (من السفارد واليهود العرب ويهود البلاد الإسلامية). وقد أدَّى وصول الفلاشاه إلى طرح القضية مرة أخرى، إذ لم تعترف دار الحاخامية بيهوديتهم وطلبت منهم أن يتهودوا، كما أن لونهم الأسود قد أثار العنصرية البيضاء القديمة بين الإشكناز.

د)  ومما يزيد مسألة الهوية تعقيداً، ظهور هوية إسرائيلية جديدة بين جيل الصابرا من الإشكناز تتسم بسمات عديدة من بينها احتقار عميق ليهود العالم (وعقلية المنفى) وعدم الاكتراث بالقيم التي يُقال لها «يهودية» في القول الصهيوني. ومن هنا، كان وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان للصابرا بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، ويجد البعض صعوبة بالغة في تصنيف هوية هؤلاء على أنها "يهودية". هذا وتشهد الدولة الصهيونية تصاعداً حاداً في مستويات التهويد والعلمنة الأمر الذي يعمق من حدة التناقضات.

كل هذه العناصر والتوترات والتناقضات، تجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة الشعب اليهودي الذي يتجاوز الأزمنة والأمكنة ويتسم بجوهر عضوي يهودي أزلي، تلك المقولة التي تنطلق منها الأيديولوجيا الصهيونية. فالفعل أثبت أنه لا يوجد جوهر واحد أو وحدة عضوية وإنما سمات عديدة متنوعة بتنوع التشكيلات الحضارية والتاريخية التي عاش فيها اليهود.

إن قضية تعريف اليهودي، إذن، ليست قضية دينية أو سياسية، وإنما هي قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات والأساس الذي يستند إليه تضامُن المجتمع ومصدر الشرعية فيه.

2 ـ  اليهود الشرقيون:

أسس الإشكناز الجيب الصهيوني من خلال خلايا زراعية عسكرية متناثرة على أرض فلسطين، ثم قامت بالاستيلاء عليها وطَرْد سكانها حينما سنحت الفرصة وأعلنت قيام الدولة الصهيونية ـ ولكن الدولة شيء والمجتمع شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان لابد أن يضم مادة بشرية جديدة لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي، ليصبحوا عمالاً وفلاحين يقومون بالأعمال الإنتاجية ـ ومن هنا كان تهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً (اليمن) وبالوعيد أحياناً أخرى (العراق). وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر.

وقد كانت الأمور مستقرة وهادئة داخل الكيان الصهيوني حتى عام 1967. وكان الهرم المقلوب قد وقف على قاعدته من خلال يهود البلاد العربية، وتربَّع على قمته يهود البلاد الغربية الذين كانوا يديرون الأمور ويستخدمون اليهود السفارد والشرقيين كعمالة رخيصة وأداة لضمان دوران دولاب العمل، وجعل هؤلاء يهللون بأن الهرم اليهودي تم تطبيعه مع أن قاعدته كانت سفاردية وشرقية وقمته إشكنازية غربية. ولكن، مع دخول العمالة العربية بعد عام 1967، ومع تزايد الثروات التي صبت في التجمع الصهيوني، حقق اليهــود الشرقيـون شـيئاً من الحراك الاجتماعي، وتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي والأعمال الوضيعة للعمال العرب، بل تحولوا إلى مقاولي أنفار (فهم يجيدون التعامل مع المادة البشرية العربية بسبب خلفيتهم الثقافية المشتركة، وبالتالي فقد تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة). وقد زادت بسبب هذا طفيلية وهامشية القطاع اليهودي في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد بدأ الشرقيون يطالبون بالمساواة مع الإشكناز. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أنه كلما ازدادت مساواة الشرقيين بالغربيين ازدادت أزمة المجتمع الصهيوني تفاقماً، إذ أن العنصر اليهودي (بشقيه الغربي والشرقي) سيزداد صعوداً إلى قمة الهرم وانعزالاً عن قاعدته الإنتاجية الأمر الذي يزيد تواجد العرب فيها.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الخامس من المجلد السابع