الهستدروت
Histadrut
اختصار للمصطلح العبري «هستدروت هاكلاليت شل هاعوفديم هاعفريم بايرتس يسرائيل» أي «الاتحاد العام للعمال العبريين في إرتس يسرائيل». ثم حُذفت كلمة «العبريين» من اسمه عام 1969. وقد أنشأ الصهاينة هذا الاتحاد العمالي عام 1920 لا ليمثل أية طبقة عاملة وإنما ليساهم في توطين المهاجرين الصهاينة وليبلور وينمي، بالاشتراك مع الوكالة اليهودية، جماعة المستوطنين الصهاينة في فلسطين حتى تصبح بناءً استيطانياً متكاملاً توجد داخله طبقة عاملة. وقد عبَّر بن جوريون عن هذه الفكرة بمصطلحه الغيبي حينما قال: "ليس الهستدروت نقابة عمالية ولا حزباً سياسياً ولا هو تعاونية وجمعية لتبادل المنفعة، إنه أكثر من ذلك. الهستدروت هو اتحاد شعب يقوم ببناء موطن جديد ودولة جديدة وشعب جديد، ومشاريع ومستوطنات جديدة، وحضارة جديدة. إنه اتحاد للمصلحين الاجتماعيين لا تمتد جذوره إلى بطاقة عضويته الخاصة بل إلى المصير المشـترك والمهمـات المشـتركة لجميع أعضائه في الموت والحياة"، أي أن دينامية الهستدروت هي دينامية صهيونية استيطانية إحلالية. ولذا يمكننا القول بأن الهستدروت ليس «اتحاد عمال» كما قد يوحي اسمه، وإنما هو مؤسسة صهيونية استيطانية بالدرجة الأولى، بل أهم المؤسسات الاستيطانية على الإطلاق، فهو المؤسسة الوحيدة داخل الحركة الصهيونية التي تشرف على معظم النشاطات، وتتحرك داخلها كل الأحزاب وتربط المُستوطَن الصهيوني بالجماعات اليهودية في العالم. إنها التجربة الصهيونية بالدرجة الأولى.
وقد نص قانون إنشاء الهستدروت على أنه يُعتبَر أداة لعملية الاستيطان، ولتنشيط الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين. ومن هذا الهدف تعددت مجالات عمل الهستدروت وأدواته التنفيذية: فهو اتحاد للتعاونيات، ومؤسسة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهيئة للتأمين الصحي، وجمعية لتقديم الخدمات الثقافية والتعليمية. ولذا تضم لجنته التنفيذية الإدارات التالية: التنمية والاستيعاب ـ المساعدة المتبادلة ـ التوظيف والتدريب المهني ـ العمـال الأكاديمـيين ـ والشئون الدينيـة ـ الشئون العربية والتعليم العالي ـ التعويضات.
وتتضح طبيعة الهستدروت الخاصة في أن الأعضاء يشتركون فيه مباشرةً ويدفعون رسوماً تتراوح بين 3 ـ 4.5% من أجورهم إلى صندوقه المركزي، ثم يلتحقون بالاتحاد العمالي الخاص بهم، أي أنهم ينتمون أولاً للمؤسسة الاستيطانية ثم ينتمون إلى اتحاد عمالي أيضاً. والهستدروت في هذا يشبه الأحزاب السياسية في إسرائيل فهي الأخرى مؤسسات استيطانية وأحزاب أيضاً. وقد يكون من الصحيح أن الطابع الاستيطاني للأحزاب والهستدروت قد خفت بعض الشيء بعد إعلان الدولة ولكن الطابع الاستيعابي (وهو الامتداد الطبيعي للاستيطانية أو استيطانية ما بعد 1948 بالتحديد) قد زادت حدته. ويجري التخطيط والتنفيذ في الهستدروت والمؤسسات التابعة له من خلال المؤتمر القومي (السلطة التشريعية) والمحلي العام (السلطة العليا) واللجنة التنفيذية (أعلى سلطة تنفيذية).
وكان الهستدروت ومنشآته الاقتصادية بمنزلة العمود الفقري للاقتصاد العمالي الصهيوني، فمنذ تأسيسه عام 1920 يقوم بإنشاء مستعمرات زراعية ومؤسسات صناعية. ففي عام 1921 أسَّس بنك هابوعاليم (بنك العمال)، وبعد سنتين أسَّس شركة حفرات هعوفديم (شركة العمال). ومنذ عام 1927 ونشاط الهستدروت يتجه نحو تأمين رأس المال اللازم لإدارة مؤسساته الاقتصادية.
ويُعَد الهستدروت من "كبار أصحاب العمل" في إسرائيل، وهو أكبر جسم اقتصادي في الدولة، وأكبر مستخدم منفرد للعمال. ويضم الهستدروت مجموعتين كبيرتين من المصالح الاقتصادية، المجموعة الأولى تضم التعاونيات التي تنقسم بدورها إلى نوعين أساسيين: المستوطنات التعاونية مثل الموشافيم والكيبوتسات، والتعاونيات الإنتاجية والخدمية التي تضم أكبر شركتين للمواصلات (إيجيد ودان).
والمجموعة الثاني تضم مجموعة شركات ضخمة تابعة لشركة العمال (الشركة الأم) في فروع الصناعة والبناء والتجارة والمصارف. وأهم مؤسـسات الهـستدروت الصناعية مجموعة كور، التي يعمل في شركاتها نحو 23 ألف عامل في 100 مصنع تقريباً، وتملك أهم شركات صناعة الإلكترونيات، وتضم شركة سوليل بونيه، وشركة تاديران، ومصانع سولتام، وصحيفة دافار. وفي الخدمات المصرفية، يمتلك الهستدروت جزءاً كبيراً من بنك هابوعاليم، ويشارك في ملكية بنوك ومؤسسات مالية أخرى. كما أن الهستدروت يشارك في الاستثمار في شركة كلال وشركة تسيم وسايتكس. وقد أشرنا إلى امتلاكه شركتي إيجد ودان، واحتكاره فرع المواصلات العامة. وفي التجارة يمتلك الهستدروت شركة همشبير، وشركة تنوفا.
ويدل توزيع ملكية المنشآت الصناعية أن حصة الهستدروت النسبية قد ازدادت في السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، كما أن حجم صادرات المنشآت الاقتصادية التابعة للهستدروت قد ازداد ازدياداً مطرداً ولا سيما في القطاع الزراعي حيث وصلت نسبة ما صدره عام 1985 إلى 77% من الصادرات الزراعية، و23.5% من الصادرات الصناعية. ويقوم الهستدروت بالاشتراك الفعلي في تقرير سياسات المؤسسات الاقتصادية التي لا يشترك في ملكيتها، سواء مباشرةً أو من خلال شركات العمال أو عن طريق مندوبين له في مجالس إدارة هذه المؤسسات. وهو ما يدعِّم هيمنة الهستدروت وسيطرته على القطاع التعاوني في الاقتصاد الإسرائيلي. وهو يشترك في الهيئة الاقتصادية العليا التي تخطط للاقتصاد الصهيوني وتنسق بين القطاعات الثلاثة وهي العام والخاص والتعاوني.
وقد بدأت مكانة الهستدروت في التدهور منذ أواخر الثمانينيات نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في إسرائيل في تلك الفترة (التي نجمت عنها بطالة واسعة النطاق) ونتيجة انهيارات في بعض أنشطة ومشاريع الهستدروت ووجِّهت الاتهامات لزعامة الهستدروت بسوء الإدارة والمحسوبية والفساد، حتى قرر الكنيست في مايو 1995 وضع الهستدروت. تحت إشراف المراقب العام للدولة إثر الكشف عن فضائح فساد بعض قيادات حزب العمل الذين قاموا باستغلال موارد الهستدروت في تمويل الحملات الانتخابية.
ويقوم الهستدروت بصفته ممثلاً للعمال والمستخدمين والنقابات المهنية بالتفاوض مع اتحاد الصناعيين والحكومة في شأن الأجور وشروط العمل وهو دور نقابات العمال الطبيعي. ولكن هوية الهستدروت كصاحب عمل، وليس كاتحاد عمال فقط، تظهر في أن مورده الأساسي ليس من اشتراكات الأعضاء وإنما نتيجة استثمارات تجارية، كما أن إضرابات العمال يمكن أن تتم ضده وليس بمساندته، بل إن الهستدروت يقوم كثيراً بدور المهدئ للطبقة العاملة حتى تستمر في الإنتاج داخل البناء الصهيوني.
ويضم الهستدروت في عضويته فئات متعددة ذات مصالح متضاربة في الغالب. فهو يضم في صفوفه، بالإضافة إلى العمال، الأغلبية الساحقة من الموظفين والمستخدمين في الحكومة وفي نشاطات القطاعين العام والخاص، وكل أعضاء الحركة الزراعية التعاونية (الكبيوتسات والموشافيم)، وشرائح مهنية واسعة تنتمي بوضوح إلى الطبقة الوسطى مثل: الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والأكاديميين، والمعلمين... إلخ.
ويضم الهستدروت نحو 1.8 مليون عضو (عمال مع عائلاتهم) يشكلون 58% تقريباً من السكان، وهو يُوظِّف 25% من اليد العاملة في مختلف مؤسساتها الاقتصادية، ويغطي برنامجه للتأمين الصحي أغلبية التأمين الصحي في إسرائيل، ويدير أهم النوادي الرياضية (هابوعيل) الذي يوجد له 600 فرع منتشرة في جميع أنحاء إسرائيل.
ويساهم الهستدروت بدور مهم جداً في عملية التربية والتعليم وذلك من خلال الجهاز الرسمي والمؤسسات غير الرسمية. فهو يملك مؤسسات كثيرة لمختلف الأجيال، يختص معظمها بحقول تعليمية محددة.
وفي إحصاء قام به الهستدروت بين أعضاء أحد المؤتمرات القومية في السبعينيات (وكان يبلغ عددهم 1001) عن رؤيتهم لأنفسهم قال 64.6% منهـم (أو حوالي 885) أنهـم يعـتبرون أنفسـهم مديرين أو موظفين، وقـرَّر 16% إنهـم أصحاب مهن حرة وقـرَّر 9.3% أنهم مزارعون، بينما قال 5.3 فقط أنهم صناع وحرفيون. وفي إحصاء آخر بين أعضاء الهستدروت عن سبب التحاقهم بهذا التنظيم "النقابي" قرر 27% منهم أنهم انضموا للاستفادة من خدمات كوبات حوليم (أو التأمين الصحي)، و26% لا يعرفون سبب انضمامهم أساساً، و18% انضموا لأن رب العمل طلب ذلك، و5% فعل ذلك من باب طاعة الوالدين. ولا يذكر الإحصاء شيئاً عن الأربعة وعشرين في المائة الباقية ـ أي أن الهستدروت في بنائه واقتصادياته ووعي أعضائه بأنفسهم ليس له علاقة كبيرة باتحادات نقابات العمال.
ويمكن النظر للهستدروت على أنه تنظيم اقتصادي يأخذ "شكلاً جماعياً" لمساعدة التجمع الاستيطاني/الصهيوني بعماله ورأسمالييه، وهو تجمُّع لا يمكن أن يأخذ شكلاً رأسمالياً تقليدياً بسبب وضعه الشاذ في المنطقة إذ أن عليه أن يخوض الحرب تلو الحرب للدفاع عن نفسه وبالتالي عليه أن يجند المستوطنين دائماً في تنظيمات عسكرية اقتصادية متماسكة، وهو ما يفرض أشكالاً جماعية قد تشبه التنظيمات الاشتراكية من بعض النواحي، ولكنها خالية من أي محتوى إنساني ثوري. ومما دعِّم هذه الأشكال الجماعية أن المنظمة الصهيونية العالمية وصهاينة العالم لا يمكنهم التعامل مع رأسماليين إسرائيليين مباشرةً، بل لابد أن تتعامل المؤسسات مع مؤسسات مثلها، فيقوم الهستدروت بتلقِّي المساعدات، وتوزيعها على كل طبقات الكيان الصهيوني عمالاً ورأسماليين، أي أن الأشكال الجماعية التي يمثلها الهستدروت لا علاقة لها بأية منطلقات ثورية إنسانية، وإنما هي جزء من استيطانيته. ولعل أكبر دليل على ذلك أن كل اتجاه صهيوني، بغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي قبل إنشاء الدولة، كان يحاول أن يكون له "هستدورته الخاص" به. فيوجد هستدروت للصهاينة التصحيحيين، وآخر للدينيين، تماماً كما كان هناك تنظيم عسكري للعماليين وآخر للتصحيحيين. وقد استمرت بعض هذه الهستدروتات بعد إنشاء الدولة. ثم انضمت له عام 1965 للاستفادة من نشاطاته وخدماته ومحاولة التأثير فيه من الداخل دون أن تغيِّر آراءها فيما يتعلق بدوره. ومما يدل أيضاً على أن الأشكال الجماعية التي يدعو لها الهستدروت لا علاقة لها بالاشتراكية وإنما هي جزء من دوره الاستيطاني (والاستيعابي فيما بعد) أن حزب حيروت الذي يمثل أيديولوجية الاقتصاد الحر عضو في الهستدروت ويحررز انتصارات لا بأس بها، وأن حزب الأحرار الرأسمالي والأحزاب الدينية كلها ممثلة داخل الهستدروت.
|