النـــــــــــــــزوح
Emigration; Yeridah
حاولت الصهيونية منذ البداية أن تصوِّر العلاقة بين اليهود وأرض فلسطين العربية بوصفها علاقة مطلقة تستمد مغزاها من "وعد الإله لشعبه المختار"، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، ولكن هذا ما يصطدم مع ما يرونا من حقائق عن تزايد معدلات الهجرة والنزوح، وهي حقائق تؤكد أن العلاقة بين اليهودي و"أرض الميعاد" هي علاقة نسبية تؤثر فيها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والمقصود بالنزوح هو حركة الهجرة المضادة إلى خارج إسرائيل وتُسمَّى بالعبرية «يريداه» أو «النزول»، ويُطلَق على المهاجرين إلى الخارج اسم «يورديم» أي «نازحين أو هابطين» أو «مرتدين» مقابل «عوليم» أي «صاعدين». ولعل هذه التسمية في حد ذاتها تعكس رؤية الصهاينة لحركة النزوح باعتبارها جريمة أخلاقية وخيانة للمبادئ الصهيونية، بل إن هؤلاء النازحين يُطلَق عليهم اصطلاح «الدياسبورا الإسرائيلية» بما يسببه من حرج للحركة الصهيونية باعتبار أن الدياسبورا مصطلح يشير إلى اليهود الذين يقطنون خارج فلسطين ولا يمكنهم الهجرة إليها لسبب أو آخر، أما أن تنشأ "دياسبورا" كانت تسكن فلسطين فهذا ما لا يقبله منطق الصهاينة. فالدياسبورا تفترض حالة غربة من الصعب في هذه الحالة تعريف مضمونها. بل إن من التطورات المهمة أن قرار النزوح أصبح مقبولاً اجتماعياً حيث يظهر بعض النازحين على التليفـزيون الإسـرائيلي ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً لأن نزوح أعداد كبيرة من الإسرائيليين، تماماً، مثل تساقط أعداد كبيرة من المهاجرين السوفييت، فيقوِّض دعائم الشرعية الصهيونية.
ولذلك تحاول المؤسسة الصهيونية تقليل حجم المشكلة، فالأرقام المعلنة عن النزوح، وإن كانت تعطي مؤشرات ودلالات مهمة، لا تمثل الحقيقة تماماً، إذ أن معظمها مأخوذ عن الإحصاءات الرسمية للهيئات الصهيونية داخل وخارج إسرائيل، وهي مثار شكوك عديدة من جانب القادة الصهاينة أنفسهم، فكثيراً ما عبَّر أناس لا يشك المرء في صهيونيتهم مثل إيريل شارون عن أن الأرقام المعلنة تقل كثيراً عن الحقيقة، ومن ناحية أخرى فلا يوجد تعريف "قانوني واضح وملزم" لكلمة «نازح»، من حيث مدة بقائه خارج إسرائيل، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من المهاجرين لا يغادر إسرائيل بتأشيرة مهاجر، علاوة على أن الإحصاءات لا تضم الذين يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات مزدوجة، حيث يسجلون أنفسهم "إسرائيليين" تهرباً من الضرائب ومن أداء الخدمة العسكرية. كما أن أعداداً كبيرة من الطلاب الذين يمضون عدة سنوات للدراسة في الخارج يقررون عدم العودة لإسرائيل، وتكشف الأرقام والجداول الآتية عن حجم الظاهرة وتناقُض المعلومات بشأنها وإن كانت تعبِّر في النهاية عن ظاهرة خطيرة بالنسبة للمشروع الصهيوني.
السكان الذين مر على بقائهم خارج البلد عاماً متواصلاً فأكثر
(أعداد مطلقة ونسب مئوية)
|
الفتــــرة
|
أعداد مطلقة
|
نسب مئوية
|
|
متوســــطات سنوية
|
|
1963 - 1964
1965 - 1969
1970 - 1974
1975 - 1979
1980 - 1984
1985 - 1989
1987
1988
1989
1990
1991
1992
1993
|
10.100
8.000
5.400
11.000
11.100
13.000
9.000
14.600
12.400
9.900
17.100
24.000
31.400
|
16.9
33.2
12.2
44.1
66.4
92.6
69.4
112.0
51.6
5.0
9.7
31.1
40.8
|
|
أعداد تراكمـــية منذ 15 مــايو 1948
|
|
حتى نهاية 1964
حتى نهاية 1969
حتى نهاية 1974
حتى نهاية 1979
حتى نهاية 1984
حتى نهاية 1987
حتى نهاية 1988
حتى نهاية 1989
حتى نهاية 1990
حتى نهاية 1991
حتى نهاية 1992
حتى نهاية 1993
|
147.100
187.000
213.800
268.700
324.200
362.400
377.000
389.400
399.300
416.400
440.400
471.800
|
12.1
14.0
13.8
16.0
18.4
20.2
20.8
21.2
19.6
18.8
19.3
20.0
|
المصدر: دليل إسرائيل (خليفة وجريس).
هجرة ونزوح المستوطنين الصهاينة : معدلات سنوية
|
الفتــرة
|
متوسط عدد السكان
|
المهاجرون
|
النـزوح
|
نسبة النازحين من السكان
|
|
1949
1950 - 1954
1955 - 1959
1960 - 1964
1965 - 1969
1970 - 1974
1975 - 1979
1980 - 1984
|
901.000
1.365.000
1.704.400
2.032.000
2.366.600
2.707.400
3.050.600
3.343.800
|
39.600
79.900
43.200
50.500
23.800
44.300
24.000
13.200
|
7.500
10.900
11.300
10.600
9.200
9.700
12.700
13.500
|
0.83
0.80
0.66
0.52
0.39
0.36
0.42
0.40
|
المصدر : نقلاً عن مقال تسيون رافي ، هآرتس 5 و 6 يناير / 1986 .
ويكشف الجدولان السابقان (1، 2) عن اختلاف المعلومات بشأن أعداد النازحين، ولكن نستنتج منها أن نسبة النازحين بلغت في مجمل عهد الانتداب البريطاني نحو 17% من مجموع المهاجرين إلى فلسطين، ويمكن تقدير عدد النازحين من إسرائيل منذ قيامها وحتى نهاية عام 1993 طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية بنحو 471.800 شخص، أي بمعدل 10500 نازح في العام الواحد، وإذا تذكرنا أن عدد الذين هاجروا إلى إسرائيل في الفترة نفسها هو 2.363.477 شخصاً، أي بمعدل 52.500 تقريباً في العام الواحد، فإن نسبة النازحين حتى نهاية عام 1993 تبلغ 20% تقريباً من مجموع المهاجرين إلى إسرائيل، ويُلاحَظ أن هذه النسبة (نسـبة الهابطين إلى الصـاعدين) كانـت نحو 14% حتى أواسط السبعيـنيات، وبدأت هذه النسبة ترتفع بعد ذلك حتى وصلت ذروتها في أوائل التسعينيات، إذ بلغت 40.8 عام 1993، وهو مؤشر لارتفاع أعداد النازحين مقابل انخفاض أعداد المهاجرين إلى إسرائيل.
وهناك الكثير من الدلائل تشير إلى تقدير عدد النازحين بحوالي نصف مليون فقط هو محاولة من جانب المؤسسة الصهيونية التقليل من حجم الظاهرة. فبعض المصادر ترى أن عدد النازحين يصل إلى حوالي 750 ألف، وهو نفس عدد سكان المُستوطَن الصهيوني عام 1948، وهو ما حدا ببعض الصحف الإسرائيلية إلى الإشارة لهذه المفارقة وأشارت إلى ما سمته "الخروج من صهيون". وكلمة "خروج" مرتبطة في المعجم الديني اليهودي بالخروج من مصر والصعود إلى صهيون، أما أن يكون الخروج من صهيون فهو أمر يقف على طرف النقيض من الأسطورة الصهيونية.
|