الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













طرد ونقل (ترانسفير) الفلسطينيين

Transfer of the Palestinians

إن إفراغ فلسطين من سكانها هو هدف صهيوني، وضرورة يحتمها منطق الأسطورة والعنف الإدراكي الصهيوني. ولكي يحقق الصهاينة مخططهم تبنوا تكتيكات مختلفة، فلم يكن العنف المسلح الوسيلة الوحيدة، وإنما استخدموا وسائل أخرى أيضاً. وقد اتهم عالم الاجتماع البولندي اليهودي، لودفيج جومبلوفيتش، هرتزل بالسذاجة السياسية، ثم طرح عليه سؤلاً بلاغياً: "هل تريد أن تؤسس دولة بدون عنف مسلح أو مكر؟ هكذا... بالتقسيط المريح؟". ومن المؤكد أن العنف المسلح والمكر هما الأداتان اللتان استخدمهما الصهاينة. ويتمثل المكر في نشر الذعر والإرهاب بين العرب، أما العنف فيتمثل في تعريضهم للإرهاب الفعلي. ويمكن القول بأن الإرهاب الصريح ضد الفلسطينيين قد استُخدم قبل 1948، ثم خلال فترة الحرب كلها، أما نشر الرعب بين السـكان، أي الحرب النفسـية، فقد تصـاعدت حدتها في المرحلة الأخـيرة. وليس لهذا التمييز بين العنف المسلح والمكر أية أهمية، إلا من الناحية التحليلية البحتة، حيث إن الأسلوبين متداخلان، بل إنهما، في الواقع، مجرد عنصرين في مخطط واحد متكامل. ففي حالة مذبحة دير ياسين، على سبيل المثال، حرص الصهاينة حرصاً شديداً على إطلاع جميع الفلسطينيين على الحادث، ليقوموا من خلاله بغرس الخوف والهلع في القلوب.

وكان أكثر أساليب الحرب النفسية شيوعاً هو أسلوب استخدام مكبرات الصوت والإذاعات لخلق جو من الذعر بين سكان قُضي على قياداتهم أثناء الثورات المتكررة السابقة، ولا سيما بعد قمع ثورة عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني. وعلى سبيل المثال، فقد حذر راديو الهاجاناه العرب، يوم 19 فبراير عام 1948، من أن الزعماء العرب سيتجاهلون أمرهم. وفي الساعة السادسة من مساء يوم 10 مارس أذاع الراديو أن "الدول العربية تتآمر مع بريطانيا ضد الفلسطينيين". وفي الساعة السادسة من مساء يوم 14 مارس عام 1948 أذاع الراديو "إن سـكان يافا في حـالة ذعر كبيرة؛ إلى درجة أنهم ظلوا داخل منازلهـم". وأشار الكاتب اليهودي هاري ليفين في مذكراته إلى البيان، الذي كان قد سمعه يوم 15 مايو أثناء إذاعته من عربات مكبرات الصوت الصهيونية باللغة العربية، والذي كان يحث العرب على "مغادرة الحي قبل الساعة الخامسة والربع صباحاً"، ثم نصحهم بقوله: "ارحموا زوجاتكم وأطفالكم، واخرجوا من حمام الدم هذا... اخرجوا من طريق أريحا، الذي ما زال مفتوحاً. وإن مكثتم هنا، فإنكم بذلك ستجلبون على أنفسكم الكارثة"، وقد تجولت أيضاً مكبرات الصوت التابعة للهاجاناه في جميع أنحاء حيفا، تهدد الناس، وتحثهم على الفرار مع أسرهم (وذلك وفقاً لما جاء في كتاب المؤلف الصهيوني جون كيمشي الأعمدة السبعة المنهارة).

إن الإشارات المتكررة إلى الكوارث المُتوقَّعة والانهيار الوشيك هي من الموضوعات الأساسية التي ركزت عليها إذاعة الهاجاناه، ومكبرات الصوت التابعة لها، في المناطق الآهلة بالسكان العرب. وثمة موضوع آخر تكرر في الحرب النفسية التي شنها المستعمرون الاستيطانيون، هو خطر انتشار الأوبئة الوشيك. ففي الساعة السابعة والنصف مساء يوم 20 مارس 1948 بدأت الإذاعة الصهيونية في إذاعة بيان باللغة العربية جاء فيه: "هل تعلمون أنه يُعتبَر واجباً مقدَّساً عليكم أن تُطعِّموا أنفسكم على وجه السرعة ضد الكوليرا والتيفوس وما شابه ذلك من الأمراض، حيث إن من المتوقع انتشار مثل هذه الأمراض في شهري أبريل ومايو بين العرب في التجمعات الحضرية". وقد تم استخدام الموضوع نفسه يوم 18 فبراير عام 1948، عندما أكدت السـلطات الصهيونية، عن طريق الراديو، أن المتطوعين العرب "يحملون وباء الجدري"، وأضافت تقول، يوم 27 فبراير، إن "الأطباء الفلسطينيين قد أخذوا يفرون".

ويُقدِّم إيجال آلون، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، تقريراً في كتاب البالماخ عن مساهمته في تكتيكات الإرهاب: "جمعت جميع العمد اليهود، الذين لهم صلة بالعرب في مختلف القرى، وطلبت منهم أن يهمسوا في أُذن بعض العرب بأن قوة عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى منطقة الجليل، وأنها ستحرق سائر قرى منطقة الحولة. وينبغي عليهم أن يقترحوا على هؤلاء العرب، بصفتهم أصدقاء لهم، الهرب، حيث ما زال هناك وقت لتنفيذ ذلك". وشرح آلون كلامه بقوله: "وانتشرت الشائعة في جميع مناطق الحولة بأن الوقت قد حان للفرار، وبلغ عدد الهاربين آلافاً لا تُحصَى. وبذلك حقق التكتيك هدفه تماماً... وتم تنظيف المناطق الواسعة ". وكلمة «تنظيف» مناسبة جداً للتعبير عما يدور في ذهن الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي لم يُردْ الأرض فحسب، وإنما أراد تفريغها من سكانها. (وهي الكلمة نفسها التي استخدمها الصرب في حديثهم عن إبادة أهل البوسنة من المسلمين).

هذا عن أساليب الحرب النفسية، أو أساليب المكر التي اتبعها الصهاينة، وهي، بلا شك أساليب كانت مبتكرة. ولكن الملاحظ الموضوعي لا يملك إلا أن يشهد بأن العقل الصهيوني بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال العنف المسلح أو الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في مجال العنف المباشر، أكثر من تجديده في مجال المكر والحرب النفسية.

ولعل من أهم الشخصيات في مجال العنف المسلح الصهيوني غير اليهودي أورد وينجيت. ويمكننا أن نذكر هنا مساهماته في تدعيم تقاليد الإرهاب الصهيوني وتطويرها بما يتفق مع خصوصية الموقف في فلسطين. وقد نجح وينجيت في الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرقة الليلية، التي كان الهدف منها هجومياً وليس دفاعياً. فبدلاً من انتظار الهجوم العربي، طالب وينجيت بأن يقوم المستوطنون بتشكيل وحدات متحركة ليقوموا بالبحث عن العدو في أرضه خلال ظلمة الليل. والافتراضات هنا غريبة بعض الشيء، إذ تفترض أن الفلاحين الفلسطينيين، داخل فلسطين نفسها، يمكن أن يكونوا في حالة "هجوم" في أي وقت من الأوقات. ففي تصوري أنهم طالما ظلوا في فلسطين، فهم في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولكن إذا ما عدنا للتصورات الصهيونية والاسترجاعية فإننا سنجد أن الأغيار الذين يقطنون فلسطين هم معتدون، بالضرورة. وقد اعترض بعض أعضاء الهاجاناه على خطط وينجيت خشية أن يؤدي الموقف الهجومي المقترح إلى زيادة حدة توتر العلاقات بين المستوطنين الصهاينة وجيرانهم العرب. بيد أن وينجيت أصر على موقفه، وتم تشكيل الفرقة الليلية.

وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بأن يطلق وينجيت بعض العيارات النارية على إحدى القرى العربية، فيستفز العرب بذلك ويردون بوابل من الطلقات النارية. وحينما يتجمع العرب بحثاً عن المهاجمين، يتم حصارهم بسرعة. وفي إحدى الغارات قتل الصهاينة، تحت قيادة وينجيت، خمســة من تسـعة من العرب الذين ذهبـوا يبحثون عن المهاجمين، وأُسر الأربعة الآخرون. وقام وينجيت بتهنئة أعضاء فرقته في "هدوء وسكون"، ثم بدأ التحقيق مع العرب بشأن أسلحتهم المخبأة. وعندما رفض العرب الإدلاء بأية معلومات عنها، انحنى وينجيت وتناول حفنة من الرمال والزلط من الأرض وأرغم أول عربي على مضغها ودفع بها في حنجرته حتى كادت أن تخنقه "وتزهق روحه". ولكن العرب مع هذا لم يستسـلموا. وهـنا انتهـج الصهيوني غير اليهودي أسـلوباً آخر، إذ التفت إلى أحد اليهود وأشار إلى العربي قائلاً: "أطلق الرصاص على هذا الرجل". فتردد اليهودي، في بادئ الأمر، ولكن وينجيت قال: في صوت يشوبه التوتر "ألم تسمع؟ أطلق الرصاص عليه". فقام المستوطن الصهيوني ـ ممتثلاً ـ بإطلاق الرصاص على العربي، واضطر المسجونون العرب الآخرون إلى أن يتكلموا في النهاية. وقد أشار الجنرال دايان في مذكراته إلى أن الكثير من الرجال الذين كانوا يعملون مع وينجيت "قد أصبحوا ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، الذي حارب العرب وهزمهم". وأوضح دايان أن الذين استفادوا من معرفة وينجيت وتكتيكاته لم يكونوا مساعديه المباشرين فقط بل إن كل قائد في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم هو تلميذ من تلاميذ وينجيت: "لقد أعطانا التكتيك الذي نسير عليه اليوم، وكان هو الإلهام الذي نستوحي منـه تكتيكـاتنا، لقد كان ـ بالنسبة لنا ـ الديناميكية التي تعطينا القوة".

استفادت قوات الغزو الصهيونية من فكر وينجيت الإرهابي العسكري قبل 1948وبعدها (فكرة الضربة المجهضة على سبيل المثال)، ولكن ما يهمنا هنا هو الغارات الليلية التي كانت تشنها الهاجاناه والبالماخ عام 1948. فقد أشار دايان إلى أن الهاجاناه والبالماخ كانتا تشنان هذا النوع من الغارات خلال عام 1948. وكما أشار المؤرخ اليهودي أرييه يتشاكي فإن التكتيكات كانت شديدة البساطة: "هجوم على قرية العدو، ثم تدمير أكبر عدد ممكن من المنازل". وكانت النتائج بسيطة بالمثل: "مصرع عدد كبير من المسنين والنساء والأطفال في أيِّ مكان تواجه فيه القوة التي تشن الهجوم أية مقاومة".

ولكن الهاجاناه أدخلت، على ما يبدو، بعض التحسينات المهمة على تكتيكاتها، ولا سيما في نهاية عهد الانتداب. ففي الهجوم على القرى العربية كان رجال الهاجاناه يضعون، أولاً، وبهدوء، شحنات متفجرة حول المنازل المبنية من الحجارة، ويبللون إطارات النوافذ والأبواب بالبنيزين. وبمجـرد أن يتم تنفيـذ هذه الخطوة، يفتحون نيرانهم، في الوقت الذي يبدأ انفجار الديناميت، فيحترق السكان النائمون حتى الموت.

وقد علق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجـاحاً مزدوجاً: انتصـار إقليمي، وحل ديموجرافي نهائي. إن الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد السابع