الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الدولة الصهيونية الوظيفية: العجز والعزلة والغربة

The Functional Zionist State: Powerlessness, Isolation, and Alienation

يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية، خصوصاً تلك التي تضطلع بوظيفة قتالية، بالعزلة عن غالبية أعضاء المجتمعات المضيفة والالتصاق الشديد بالنخبة والعجز الشديد فليست لها قاعدة شعبية، ومن ثم فهي لا تملك إرادة مستقلة. والدولة الصهيونية إعادة إنتاج لهذا النمط ولنبدأ بإشكالية العجز.

1 ـ  العجز:

أ)  الحاجة للدولة الراعية:

لابد أن تتبع الجماعة الوظيفية راعياً يحميها ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي المتميِّز نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه. وقد بدأ هرتزل نشاطه الدبلوماسي المحموم بحثاً عن دولة راعية لمشروعه الصهيوني الخاص بتحويل الفائض البشري اليهودي إلى دولة وظيفية، فتوجَّه إلى سيسل رودس والرئيس تيودور روزفلت وملك إنجلترا وقيصر روسيا وقيصر ألمانيا (بل إلى السلطان العثماني، ظناً منه أن السلطان سيحتاج إلى العنصر اليهودي الاستيطاني القتالي في فلسطين لدعم الإمبراطورية). وكان هرتزل يتخيل أحياناً أن الدولة الوظيفية ستكون عميلاً لكل دول أوربا، أي للمشروع الاستعماري الغربي ككل، كما تذبذب بعض الوقت بين ألمانيا وإنجلترا، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أن الاستعمار الإنجليزي أكثر ثباتاً واستقراراً وأن الإنجليز هم أول من اعترف بضرورة التوسع الاستعماري في العالم الحديث وأن حاجتهم للدولة الوظيفية واضحة. وتم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنطقة الصهيونية بشأن يهود الغرب في إطار هذا التفاهم، إذ تقوم إنجلترا بمقتضاه بنقل المادة البشرية اليهودية وتأسيس دولة يتم توظيفهم من خلالها ليقوموا هم من ناحيتهم بالدفاع عن مصالح الدولة الراعية، فالعلاقة إذن بين الطرفين واضحة نفعية تعاقدية موضوعية واضحة.

ورغم توقيع العقد مع إنجلترا، فإن الأمر لم يخل من صراعات وتوترات. وقد ذكرنا من قبل أن هرتزل ظل يتذبذب بين ألمانيا وإنجلترا، وأنه حسم الأمر في النهاية وقرَّر أن يبذل معظم جهوده الدبلوماسية مع إنجلترا (دون أن يحطم جسوره مع أي من الدول الأخرى). وقد كان مشـروع شـرق أفـريقيا أول ثمار التـعاون بين الحركة الصهيونية وإنجلترا. وقد عـارض دعاة الاسـتعمار الألماني، ومعظمهـم بطبيعة الحال من الألمان، مشروع شرق أفريقيا، لا لإصرارهم على فلسطين وإنما خشية أن يؤدي نجاح مثل هذا المشروع إلى تحطيم علاقاتهم بالإمبريالية الألمانية. وكان الصهاينة الألمان يحاولون أن يبينوا مدى نفع المادة البشرية اليهودية للمشروع الاستعماري الألماني، فأخبر بودنهايمر وكيل وزارة الخارجية الألمانية: "أن وضع يهود الشرق [شرق أوربا] في موقف العارف بالجميل تجاه الإمبراطورية الألمانية لهو أمر ذو مغزى سياسي أكيد. إن فتح الشرق [أي فلسطين] لليهود قد يصبح وسيلة يمكن عن طريقها تحويل عنصر قادر على التحدث بالألمانية من روسيا وبولندا إلى هذا الاتجاه، بحيث يمكن توظيفه لصالح ألمانيا".

وقد بذل الصهاينة الألمان قصارى جهدهم في تجنيد يهود شرق أوربا وراء القوات الألمانية الغازية في الحرب العالمية الأولى. ولكن مجرى الأحداث تغيَّر، وانتصرت الإمبراطورية البريطانية، وتجاهل وايزمان والصهاينة في إنجلترا صهاينة ألمانيا، وحصلوا على وعد بلفور.

وظلت إنجلترا، الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، تُوظِّف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية. وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي، تراجع الدور الإنجليزي وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية.

ب)  دعم الدولة الراعية للدولة الوظيفية:

تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في أداء وظيفتها بكفاءة، تماماً كما كان ملوك وأباطرة أوربا يرعون أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تماماً عليها بطريقة لم يسبق لها مثيل. والواقع أن تاريخ تَزايُد هذا الدعم هو أيضاً تاريخ دولة إسرائيل الوظيفية. وقد لاحَظ الصحفي الإسرائيلي ب. سبير اعتماد إسرائيل التام على الهبات الخارجية، فأشار إلى أنه "لا توجد دولة في العالم يتم دفع كل ما ينقصها من عملة صعبة من قبَل مواطني الدول الأخرى"، وأن الإسرائيليين هم "أكبر زبائن المساعدات المجانية في العالم".

وقد أدَّت هذه المساعدات إلى اعتماد الدولة الوظيفية على الولايات المتحدة لضمان استمرارها وبقائها إذ أصبح التمويل الخارجي المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لأعضاء الدولة الوظيفية، وأصبح دخلهم غير مرتبط بإنتاجيتهم أو عرَق جبينهم أو عملهم وإنما بالدور الإستراتيجي الذي يضطلع به التجمع ككل، وبالدولار الذي يُدفَع له أجراً عن هذا الدور.

لكل هذا، يرى خبراء الاقتصاد في بنك إسرائيل، في محاولتهم تقييم الأداء الاقتصادي الإسرائيلي والتنبؤ بمساره الاقتصادي، أن أهم حدث في هذا المجال في السنوات الأخيرة ليس التحولات الاجتماعية وظهور طبقة من المستهلكين تتمتع بالتبرعات المجانية وترتدي جلداً سميكاً من عدم الاكتراث الاجتماعي، وليس انخفاض إنتاجية الإسرائيليين أو ارتفاعها أو حجم الاستيراد أو التصدير، أو الميزان التجاري أو غيرها من المعايير المستخدمة في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الأخرى، فأهم حدث هو "زيادة المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل [أهم مصادر الدخل الثابت] من حوالي 10% إلى حوالي 20% من الناتج". وعلى كلٍّ، بيَّن سبير أن مصطلحات مثل «العجز التجاري» وخلافه غير ذات موضوع، لأن الإسرائيليين يحصلون من الخارج على تحويلات من جانب واحد "أي على هبات لا حاجة إلى سـدادها، كقيمـة العجز المتراكم خلال ثلاث سنوات في ميزان مدفوعاتنا".

جـ)  افتقاد السيادة:

هذه المساعدات السخية تضمن للمستوطنين الصهاينة الاستمرار، ولكنها في الوقت نفسه تقوِّض استقلالهم وسيادتهم (تماماً كما كان يحدث مع أعضاء الجماعات الوظيفية الذين كانوا يتمتعون بالدخل المرتفع والمكانة المتميِّزة ولكنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كاملاً على الراعي أو الحاكم). ويساهم التطور السريع الذي تشهده صناعة السلاح وزيادة نفقات التسليح في تَزايُد اعتمـاد المسـتوطنين الصهاينـة على دولـة إمبرياليـة متقدمـة. ولذا، فإن إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة أو صنع القرار تزداد عمقاً (مع أن أحد الأسباب الرئيسية لتأسيس الدولة الصهيونية ـ من منظور الفكر الصهيوني ـ هو حل هذه الإشكالية بين الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية تخدم الطبقة الحاكمة دون أن تشاركها في صنع القرار).

ويظهر افتقاد السلطة وعدم المشاركة في القرار في الدور غير العادي الذي يلعبه في الوقت الحاضر وزير الخارجية الأمريكي في توجيه السياسة الاقتصادية الإسرائيلية. فهو ـ على حد قول الصحفي الإسرائيلي شموئيل شنيتسر في مقال له بعنوان «كم بقى لنا من الاستقلال» ـ يقوم بتحديد الأهداف وسبل العمل، ويلعب دور المشرف الدائم على تنفيذ التعليمات المكتوبة التي يقوم بنقلها إلى وزراء المالية الإسرائيليين. وقد بيَّن سبير أن تغيير وزراء المالية الإسرائيليين وكَبْح التضخم النقدي، كلها أمور ثانوية بالقياس إلى القرار الأمريكي الخاص بحجم المعونة الأمريكية، فقد اشترت أمريكا بأموالها الحق الأخلاقي في عملية الإشراف التي تقوم بها إذ أن من يقدم الأموال هو صاحب صلاحية الحسم.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد السابع