العداء الصهيوني لليهودZionist Anti-Semitismالصهيونية، شأنها شأن العداء لليهودية، هي إحدى تجليات الرؤية المعرفية العلمانية الشاملة، وقد تبلورت الأفكار الصهيونية والمعادية لليهود في أوربا في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التاريخية التي تبلورت فيها النظرية العرْقية الغربية الخاصة بالتفاوت بين الناس بسبب الاختلاف بينهم في خصائصهم التشريحية والعرْقية والإثنية ومن ثم نجد أن الرؤية الكامنة في كل من الصهيونية ومعاداة اليهود واحدة. وأن كثيراً من مقولات الصهيونية هي مقولات عرْقية معادية لليهود. ويرى الصهاينة أن معاداة اليهود ظاهرة طبيعية ورد فعل طبيعي وحتمي لوجود اليهود كجسم غريب في المجتمعات المضيفة. وقد نشأت صداقة عميقة بين حاييم وايزمان وريتشارد كروسمان (الزعيم العمالي البريطاني) حين اعترف هذا الأخير بأنه "معاد لليهود بالطبع". وقد كان تعليق وايزمان على ذلك: لو قال كروسمان غير ذلك فإنه يكون إما كاذباً على نفسه أو كاذباً على الآخرين. وقد وصف المفكر الصهيوني جيكوب كلاتزكين العداء لليهود بأنه دفاع مشروع عن الذات. وقد ميَّز هرتزل بين العداء الحديث لليهود وبين التعصب الديني القديم، ووصف هذا العداء الحديث بأنه "حركة بين الشعوب المتحضرة" تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. بل يرى الصهاينة أن هذه المعاداة هي أحد ثوابت النفس البشرية، فهي تشبه المطلق الأفلاطوني أو المرض المستعصي. وقد عبَّر شامير عن معاداة البولنديين لليهود، فأشار إلى أنهم يرضعونها مع لبن أمهاتهم. ويعادل شامير بذلك بين الفعل الأخلاقي والفعل الغريزي البـيولوجي، وهـو ما يبين أنه يدور في إطار الحلولية بدون إله، وهذا ما يفعله أيضاً نوردو ووايزمان وهتلر. فقد وصف وايزمان معاداة اليهود بأنها مثل البكتيريا التي قد تكون ساكنة أحياناً، ولكنها حينما تسنح لها الفرصة فإنها تعود إليها الحياة، وهكذا لا يميِّز الصهاينة بين الأشكال المختلفة لمعادة اليهود وإنما يرونها كلاًّ عضوياً واحداً يتكرر في كل زمان ومكان، كما يرون عدم جدوى الحرب ضد هـذه الظاهـرة باعتبارها أحـد الثوابت وإحدى الحتميات. والموقف الصهيوني من اليهود، كما أسلفنا، لا يختلف في أساسياته عن موقف المعادين لليهود: 1 ـ فكلا الموقفين يَصدُر عن الإيمان بأن اليهود شعب عضوي له عبقريته الخاصة وأن ثمة جوهراً يهودياً هو الذي يميز اليهودي عن غيره من البشر، وأن هذا الجوهر لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان، فاليهود دائماً يهود. ومن هنا، فإن تَصرُّف اليهودي كالأغيار هو تَصرُّف مصطنع لا يعبِّر عن اندماجه في مجتمعه وتمثُّـله قيمه وإنما يعبِّر عن ازدواجية في الذات. ومهما يكن ما يبديه اليهودي من ولاء لوطنه، فهو ولاء مشكوك فيه. ومن هنا يحارب الصهاينة وأعداء اليهود ضد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم. وقد نادى الصهاينة بضرورة رفض "سم الاندماج" أو "الهولوكوست الصامت". وكذلك، فإن المعادين لليهود يرون أن اليهودي المندمج يقلد الأغيار كالببغاء، فهو شخصية خطرة غير أصيلة تهدد نسيج المجتمع، وهو خطر حتى دون أن يدري. ولهذا كان النازيون يتعاملون مع الصهاينة فقط لإصرارهم على هويتهم اليهودية. 2 ـ يرى الفريقان أن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يهدأ له بال إلا بأن يستـقر في الأرض التـي يرتبط بـها بربـاط أزلي عضوي. ومن هنا، يرفض المعادون لليهود، وكذلك الصهاينة، الكفاح من أجل إعطاء اليهود حقوقـهم السياسـية والمدنية الكاملـة في أوطانهـم، وبالتــالي فلابد من "هجـرة" اليهود إلى فلسـطين أو "طـردهم" إليها. ومهما كان المصطلح أو المسوغ، فإن الحركة المثلى المقترحة واحدة، وهي نقل اليهود من أوطانهم الفعلية إلى وطنهم القومي العضوي الوهمي. والواقع أن فكرة «الشعب العضوي» تحوي أيضاً فكرة «الشعب العضوي المنبوذ»، وهي أساس تحالف الصهاينة والمعادين لليهود فكلاهما يهدف إلى إخلاء أوربا منهم. 3 ـ إذا كان اليهود يشكلون في رأي الصهاينة، كلاًّ عضوياً يعبَّر عنه في الإنجليزية بكلمة «جوري Jewry»، فإنهم مترابطون ترابطاً عضوياً لا فرق فيه بين الكل والجزء. ولذا، يتحدث الصهاينة عن «العبقرية اليهودية» باعتبارها تعبير الجزء عن الكل. وهم أيضاً يرون أن الهجوم على أية جماعة يهودية هو هجوم على الشعب اليهودي بأسره، بغض النظر عن الظروف التاريخية. ويتبنى أعداء اليهود النظرة نفسها، فهم يرون تماثل الجزء والكل، وحينما يرتكب مجموعة من اليهود جرماً معيناً أو ينتشر بينهم الفسـاد، فإن هذا يَصلُح أساسـاً للتعمـيم على كل اليهود. وفي الواقع، فإن الحديث عن جرائم اليهود يشبه تماماً الحديث عن عبقريتهم. 4 ـ تبنَّى الصهاينة كثيراً من مقولات المعادين لليهود في الغرب، وكثيراً من صورهم الإدراكية النمطية، وتزخر الكتابات الصهيونية بالحديث عن الشخصية اليهودية المريضة غير الطبيعية والهامشية وغير المنتجة التي لا تجيد إلا العمل في التجارة. بل إن ماكس نوردو، ومن بعده هتلر، طبَّق الصورة المجازية العضوية لا على معاداة اليهود بل على اليهود أنفسهم، فقد شبههم بالكائنات العضوية الدقيقـة التي تظـل غير مؤذية على الإطـلاق طـالما أنها في الهواء الطلق، لكنها تُسبِّب أفظع الأمراض إذا حُرمت من الأكسجين، ثم يستطرد هذا العالم العنصري ليحذر الحكومات والشعوب من أن اليهود يمكن أن يصبحوا مصدراً لمثل هذا الخطر. وقد ذكر يهودا جوردون أن تفوُّق اليهودي المستنير يكمن في أنه يعترف بالحقيقة، أي يَقْبل اتهامات المعادين لليهود. وقد قال برنر: " إن مهمتنا الآن هي أن نعترف بوضاعتنا منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا " فاليهود شعب نصف ميت يعيش بقيم السوق، لا يمانع في حياة كحياة النمل أو الكلاب، مصاب بطاعون التجول " ـ ويمكن أن نجد عبارات مماثلة أو أكثر قسوة في الأدبيات الصهيونية. ومن هنا، يؤمن الصهاينة بضرورة تطبيع الشخصية اليهودية حتى تتفق مع نمط الشخصية غير اليهودية الطبيعية السوية. 5 ـ لا يقل عداء الصهاينة لليهودية عن عدائهم لليهود، فقد رفضوا العقيدة اليهودية وحاولوا علمنتها من الداخل (انظر: «الرفض الصهيوني لليهودية»). | |