الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وقد جرت منذ الستينيات أيضاً الدعوة إلى فصل الوكالة اليهودية عن المنظمة الصهيونية، بدعوى أن الدمج بين المهمات العملية الاستيطانية (الوكالة) والأيديولوجية الدبلوماسية (المنظمة) قد أدَّى إلى إعاقة عمل الهيئتين. كما تمت الدعوة إلى تشكيل وكالة يهودية موسعة من جديد تسمح بربط القوى اليهودية غير الصهيونية بالمنظمة وتوظيفها في خدمة البرنامج الصهيوني. وقد أقر المؤتمر الصهيوني الخامس والعشرون (1960) دستوراً جديداً للوكالة اليهودية أُعيد فيه تأكيد فلسفتها وأهدافها ضمن البرنامج الصهيوني. كما أقر توسيع المنظمة/ الوكالة والسماح بعضوية أية هيئة يهودية تلتزم بالبرنامج الصهيوني دون إجبار أعضاء تلك الهيئات على أن يكونوا صهاينة منظمين. وفي عام 1971، أُعيد تنظيم علاقة المنظمة الصهيونية بالوكالة اليهودية بحيث أصبحتا منفصلتين قانونياً وتعمل كل منهما تحت إدارة خاصة. لكن هذا الانفصال يُعَدُّ انفصالاً شكلياً فقط، فرئيس إدارة المنظمة هو نفسه رئيس إدارة الوكالة والمسئول المالي في الجهازين واحد، كما أن رؤساء الدوائر، وبخاصة تلك العاملة في مجال الهجرة والاستيعاب والاستيطان والمحاسبة، هم أنفسهم من أعضاء الإدارتين. وكذلك فإن الهيكل التنظيمي متماثل في كلتا الهيئتين. وقد كان الغرض من الفصل حماية وضع الإعفاء الضريبي الذي تتمتع به هيئات جباية الأموال اليهودية في الولايات المتحدة، وخصوصاً النداء اليهودي الموحد التي توجِّه الأموال إلى الوكالة اليهودية من خلال النداء الإسرائيلي الموحد الذي يوفر للوكالة أكثر من 60% من ميزانيتها. وكانت قد جرت (عام 1960) عملية إعادة تنظيم لفرع الوكالة اليهودية في الولايات المتحدة (الوكالة اليهودية المتحدة لإسرائيل) حيث ألغت وضعها كوكيل أجنبي ومُنحت إعفاءً من الضرائب كهيئة أمريكية في حين تم تسجيل منظمة أخرى (هي: الوكالة اليهودية ـ القسم الأمريكي) لتكون الوكيل الأجنبي الجديد التي تعمل نيابة عن الوكالة اليهودية ـ القدس، على أن تقوم الشركة الأمريكية بتحويل الموارد المالية التي تتلقاها من النداء اليهودي الموحَّد إلى إسرائيل. ويبدو أن هذا التغيير كان الغرض منه التمويه والتحايل على القانون الأمريكي حتى يبدو فرع الوكالة اليهودية في الولايات المتحدة وكأنه خاضع لهيئات صهيونية أمريكية وغير خاضع لأية هيئة أجنبية.

ومع ذلك، خضع نشاط الوكالة في الولايات المتحدة للتحقيق عام 1963 حيث ثبت أنها تعيد توجيه أموال الجباية لدعم المؤسسة الصهيونية في الولايات المتحدة وذلك عبر المجلس الصهيوني الأمريكي، ووفقاً لتعليمات المنظمة/الوكالة في القدس ولصالح دولة أجنبية هي إسرائيل. وفي أعقاب التحقيقات، تم إلغاء المجلس الصهيوني الأمريكي وأُجبرت الوكالة اليهودية ـ القسم الأمريكي (عام 1969) على تقديم ميثاق 1954 ضمن وثائق تسجيلها كوكيل أجنبي للحكومة الإسرائيلية. وبموجب اتفاق الفصل وإعادة التنظيم (عام 1971)، تحددت مهام الوكالة اليهودية ووظائفها وبرامجها على أنها ستكون من النوع الذي تقوم به منظمات معفاة من الضرائب فقط مثل الهجرة والاستيعاب والتعليم، على أن "تبقى المنظمة الصهيونية ومؤسساتها أدوات للحركة الصهيونية.... وستواصل أداء الأعمال والمهمات التي ترد في قانون الحالة والميثاق". وقد تم إلغاء الوكالة اليهودية ـ القسم الأمريكي وحلت محله المنظمة الصهيونية العالمية ـ القسم الأمريكي كوكيل للمنظمة الصهيونية العالمية في القدس، في حين صارت الوكالة اليهودية المتحدة لإسرائيل المتلقي الوحيد للأموال المتجهة إلى إسرائيل.

وقد جاءت عملية إعادة التنظيم أيضاً استجابة لمطالب أعضاء الجماعات اليهودية، ومطالب الأمريكيين على وجه الخصوص، بزيادة مشاركة يهود الشتات غير الصهاينة في عملية اتخاذ القرارات في الوكالة اليهودية، وخصوصاً أنهم يشكلون المصدر الأساسي للموارد المالية للوكالة التي زادت بشكل كبير بعد حرب 1967. وبالفعل، أصبح 50% من أعضاء الأجهزة القيادية للوكالة اليهودية (الجمعية التأسيسية، ومجلس الحكام، واللجنة التنفيذية) يُعيَّنون من قبل المنظمة الصهيونية (من الأحزاب السياسية الإسرائيلية طبقاً لنسبة تمثيلهم في الكنيست، ومن التجمعات الصهيونية). أما نسبة الـ 50% الباقية، فإنهم يُعيَّنون من قبل منظمات الجباية العاملة بين الجماعات اليهودية في العالم، فيعيِّن النداء الإسرائيلي الموحَّد 30% منهم ويعيِّن الصندوق التأسيسي 20%. وبهذا، فإن العناصر التي لا تنضوي تحت لواء الصهيونية، والذين أصبحوا يُلقَّبون بعد حرب 1967 باسم «الصهيونيون الفوريون» أو «الصهيونيون الجدد»، قد توافرت لهم فرص هيكيلة تنظيمية ونفوذ سياسي متزايد.

وقد زادت ضغوط ممثلي هيئات الجباية اليهودية، وكذلك ضغوط أعضاء الجماعات اليهودية غير الصهيونيين، خلال السبعينيات والثمانينيات. كما تحقَّق لهم قَدْر أكبر من الرقابة والسيطرة على الوكالة اليهودية، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل: فقد وُجِّهت الاتهامات للوكالة بعدم فاعلية جهازها الإداري المتضخم الذي ضم أكثر من أربعة آلاف شخص ووُصفت بأنها أصبحت "مزرعة للانحراف". وقد ارتبطت الانحرافات أيضاً بتحوُّل الوكالة إلى حلبة للصراع بين الأحزاب والكتل السياسية الإسرائيلية، فهناك جزء كبير من ميزانية الوكالة (حوالي نصف مليار دولار سنوياً) يذهب للأحزاب السياسية الإسرائيلية، في وقت يعمل كلٌّ منها على إخضاع الوكالة لنفوذه واستثمارها في الصراع الحـزبي لصالحـه، وهذا دليـل على تبعية الوكالة للحـكومة الإسرائيلية، بل وتبعيتها للصراعات الحزبية ومناورات الوصول إلى السلطة. ومن ناحية أخرى، تواجه هيئات الجباية اليهودية في العالم مأزقاً حاداً يتمثل في تناقُص حجم الأموال والتبرعات المحصلة (نتيجة عوامل ديموجرافية خاصة بالجماعات اليهودية في العالم الغربي) وفي تزايد الاحتياجات المحلية للجماعات اليهودية، الأمر الذي يعني ضرورة تقليص الأموال المخصصة للوكالة اليهودية وإسرائيل، كما أن قيادات الجماعات اليهودية ومنظمات الجباية تضغط من أجل الرقابة على الوكالة والتدخل في أسلوب إدارتها والمشاركة في وضع سياساتها وبرامجها والحد من تسييس الوكالة ومن سيطرة المنظمة الصهيونية عليها.

سابقتالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثالث من المجلد السادس