الوكالة اليهودية
Jewish Agency
الساعد التنفيذي (الاستيطاني) للمنظمة الصهيونية منذ عام 1922 في أعقاب صدور وعد بلفور وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين. نصت المادة الرابعة من صك الانتداب على إقامة وكالة يهودية تكون بمنزلة هيئة استشارية للإدارة وللتعاون معها في المسائل الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود وبمصالح السكان اليهود في فلسطين. واعترف صك الانتداب بالمنظمة الصهيونية على أنها هذه الوكالة. ومن ثم، فإن اسـمها يُذكَر مقروناً باسم المنظمة على هذا النحو: «المنظمة الصهيونية العالمية/الوكالة اليهودية»، حيث يُشير النصف الأول من المصطلح إلى المنظمة الصهيونية في علاقتها بالجماعات اليهودية في العالم وفي نشاطها الأيديولوجي والتوطيني،على حين يُشير النصف الثاني إلى نشــاطها الاسـتيطاني الذي يتعامل مع الواقع الفلسـطيني بشـكل مباشر.
وقد شهدت الوكالة عبر تاريخها محاولات عدة لتوسيع قاعدتها لتضـم كل يهود العالم. فلكي تحقق الحركة الصهيونية أهدافها السياسية، كان من الضروري كسب الدعم المادي والسياسي للجماعات اليهودية في العالم، وخصوصاً من قبل أثرياء اليهود في أوربا والولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، سعى حاييم وايزمان إلى إنشاء وكالة يهودية موسعة تضم تحت لوائها اليهود الصهاينة واليهود غير الصهاينة (وبذلك تكتسب الوكالة الصفة التمثيلية لليهود وتستطيع التغلغل في أوساطهم وزيادة مواردها المالية). وقد أجرى وايزمان مفاوضات في هذا الصدد مع زعماء الجماعات اليهودية غير الأعضاء في الحركة الصهيونية، وعلى رأسهم لويس مارشال رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية وفيلكس واربورج أحد الزعماء البارزين للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وقد قام فلاديمير جابوتنسكي وناحوم جولدمان بمعارضة مبدأ توسيع الوكالة وضم عناصر غير صهيونية إليها، وذلك خوفاً من آثار ذلك على البرنامج الصهيوني. ومع ذلك، وفي عام 1929، قرر المؤتمر الصهيوني السادس عشر إنشاء الوكالة اليهودية (الموسعة) وإشراك عناصر يهودية غير صهيونية مناصفةً مع الأعضاء الصهاينة يُختارون من 26 بلداً (معظمهم من الولايات المتحدة). وأصبحت الوكالة اليهودية في فلسطين والمنظمة الصهيونية (رغم أن لهما رئيساً واحداً) هيئتين منفصلتين من الناحية الشكلية، كما تم إلحاق الصندوق التأسيسي اليهودي بالوكالة بحيث يمثل إدارتها المالية. وبعد تأسيسها بعام واحد، تهاوت الشراكة بين الصهاينة وغير الصهاينة بسبب نشوب الاضطرابات العربية المقاومة للمستوطنين الصهاينة في فلسطين (وموت لويس مارشال). وقد استمرت الوكالة اليهودية الموسعة بطريقة شكلية وبقيت السيطرة الفعلية داخل الوكالة للعناصر الصهيونية. ولم يتمكن غير الصهاينة من القيام بأي دور مستقل، فقد كانوا يفتقرون إلى التنظيم. كما أن نسبة التمثيل غير الصهيوني (الـ 50%) لم تُمارس عملياً أية ضغوط نتيجة مجموعة معقدة من القواعد التنظيمية ضمنت الأغلبية الفعلية للعناصر الصهيونية. وفي عام 1947، استقال آخر عضو غير صهيوني من اللجنة التنفيذية للوكالة، ومن ثم أعيد توحيد اللجنتين التنفيذيتين للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية فأصبحتا هيئة واحدة.
ومن المهام الرئيسية للوكالة اليهودية خلال فترة الانتداب تمثيل الحركة الصهيونية ويهود العالم أمام سلطات الانتداب وعصبة الأمم والحكومة البريطانية. كما تضمنت مهامها الأخرى: تطوير حجم الهجرة اليهودية إلى فلسطين بصورة متزايدة، وكفالة الحاجات الدينية اليهودية، واسترداد الأراضي في فلسطين كملكية يهودية عامة (وذلك عن طريق الصندوق القومي اليهودي)، والاستيطان الزراعي المبني على العمل اليهودي، ونشر اللغة العبرية والتراث اليهودي في فلسطين. ومع أن سلطات الانتداب لم تنظر إلى الوكالة على أنها شريك في الحكم، إلا أن الوكالة تغلغلت في حياة المستوطنين الصهاينة لتشمل نشاطاتها مختلف جوانب حياتهم. وقد نمت الوكالة حتى أصبحت حكومة داخل حكومة الانتداب لا ينقصها سوى عنصر السيادة لكي تصبح دولة. وكان لها جيش (الهاجاناه والبالماخ)، وميزانية وجهاز إداري. كما باشرت الوكالة أعمال الحكومات من السياسة الخارجية وتدريب المهاجرين وإعدادهم للهجرة وبناء المستعمرات الزراعية وشراء الأرض، كما قامت بالدعاية والإحصاء والصناعة والتعليم، بل كان لها جهاز المخابرات تابع لها.
وبعد أن انتقلت قيادة المنظمة الصهيونية من لندن إلى نيويورك عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، أنشئ قسم في الوكالة اليهودية في الولايات المتحدة (عام 1946) لرعاية مصالح الوكالة في أمريكا، وخصوصاً للتنسيق والضغط من أجل قرار تقسيم فلسطين عام 1947.
ومن هنا، نرى أن الوكالة تحوَّلت من مجرد هيئة للتعاون مع إدارة الانتداب البريطاني في فلسطين إلى هيئة كبرى أوجدت إسرائيل وزرعتها زرعاً في الشرق العربي. ومما له دلالة في هذا الصدد أنه عند قيام إسرائيل، أصبح المجلس التنفيذي للوكالة مجلس الوزراء، كما أن جهازها الإداري أصبح جهاز الحكومة، وكان بن جوريون رئيسها فأصبح رئيساً لوزراء إسرائيل، وكان موشيه شاريت سكرتيراً سياسياً لها فأصبح وزيراً لخارجية إسرائيل، وهكذا.
وبعد قيام إسرائيل، تخلت الوكالة عن بعض مهامها للدولة الجديدة. وأصدر الكنيست الإسرائيلي عام 1952 قانوناً يحدد وضع المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية وينظم العلاقة بينها وبين الدولة الصهيونية (قانون الحالة). وقد حدد وضع المنظمة/الوكالة باعتبارها وكالة مفوضة تابعة للدولة يقتصر نشاطها داخل إسرائيل على: الاستيطان، واستيعاب المهاجرين، وتنسيق نشاطات الهيئات والمؤسسات اليهودية التي تعمل في إسرائيل. كما ترك لها النشاطات المتعلقة بحماية ورعاية وتجميع اليهود.
وفي عام 1954، تم توقيع ميثاق بين الحكومة الإسرائيلية والمنظمة/الوكالة حدد مهام الوكالة بشكل أكثر تفصيلاً. وقد شملت المهام التالية إلى جانب ما سبق ذكره: الحصول على الأراضي في إسرائيل وتحسينها بواسطة مؤسستي المنظمة الصهيونية والنداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي اليهودي، والمشاركة في إقامة وتوسـيع مشـاريع التطوير في إسرائيل، وتشجيع رؤوس الأموال الخاصة، ومساعدة المشاريع الثقافية ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل، وتعبئة الموارد وجمع الأموال لتمويل هذه الأعمال.
ورغم ذلك، حدثت خلافات بين الوكالة والحكومة الإسرائيلية حول مهام وصلاحيات المنظمة/الوكالة، وخصوصاً خلال عهد بن جوريون الذي كان يرى أن الوكالة تسخِّـر البنـاء الداخلي من أجل الدبلوماسـية الخارجية. كما كان يرى أنها، بعد قيام الدولة، قد استنفدت أغراضها وإن لم ينف إمكانية أن تقدم الوكالة خدمات سياسية ومالية وبشرية لإسرائيل شريطة أن تكون خاضعة للدولة وتعمل تحت سيطرتها. كما كان بن جوريون يرى التشـديد على مركـزية إســرائيل وأن يتمحـور العمل الصهيوني حولها. ومما كان يُضعف نفوذ الوكالة، تضاؤل الهجرة إلى إسرائيل بعد عام 1951 وإخفاق الوكالة في إقناع يهود الولايات المتحدة وأوربا الغربية المندمجين في الهجرة إلى إسرائيل. وبرغم أنها ساهمت في تهجير واستيعاب 1.3 مليون يهودي إلى إسرائيل خلال العقدين الأولين لقيام الدولة، إلا أن أغلب هؤلاء كانوا إما من لاجئي الحرب العالمية الثانية أو من يهود البلاد العربية الذين هاجروا إلى إسرائيل نتيجة ظروف موضوعية طارئة وليس بدافع عقائدي أو نتيجة جهود المنظمة/الوكالة. وقد كرَّس المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون (1968) تبعية المنظمة/الوكالة للدولة الصهيونية. وظهرت اتجاهات لتحديد العلاقة من جديد بين الحكومة والوكالة اليهودية، واقترح أن تظل الهجرة من اختصاص الوكالة على أن ينتقل الاستيعاب إلى الحكومة الإسرائيلية. وبالفعل، استحدثت الحكومة الإسرائيلية وزارة جديدة لاستيعاب المهاجرين عام 1968. وبالتالي، تم سحب سلطة أساسية كانت تمارسها الوكالة حتى ذلك الحين (لكن الوكالة ظلت مسئولة عن استقبال المهاجرين الجدد وتقديم الخدمات اللازمة لهم تمهيداً لمرحلة الاستيعاب).
|