آحاد هعام (1856-1927)
Ahad Ha-am
«آحاد هعام» عبارة عبرية تعني «أحد العامة». و«آحاد هعام» هو الاسم الذي اشتهر به الكاتب الروسي (وكان يكتب بالعبرية) آشر جينزبرج. ويُعَدُّ آحاد هعام من أهم الكُتَّاب والمفكرين في أدب العبرية الحديث، كما يُعَدُّ فيلسوف الصهيونية الثقافية ( أى الصهيونية الاثنية العلمانية) بل المؤسس الحقيقي للفكر الصهيوني والذي خرج من تحت عباءته كل المفكرين الصهاينة، خصوصاً العلمانيين، ابتداءً من مارتن بوبر وانتهاءً إلى هارولد فيش. وقد نشـأ آحاد هعام في عائلة حسـيدية في قرية صغيرة بالقرب من كييف، وكان أبوه عضواً في حركة حبد. تلقَّى تعليماً يهودياً تقليدياً حتى أن معلمه منعه من تعلم الألفبائية الروسية لأن هذا كان يُعَدُّ ضرباً من الهرطقة. ولكنه، مع هذا، التحق في نهاية الأمر بمدرسة ثانوية في روسيا. وقد دفعته دراسته الجديدة إلى هَجْر الحسيدية، ثم تخلَّى بعد ذلك عن كل إيمان ديني وإن كان قد عبَّر عن إعجابه بالحسيدية في إحدى مقالاته، وذلك بسبب طابعها اليهودي الإثني (أي اليهودية كفلكلور). ولا شك في أن النزعة الحلولية المتطرفة في الحسيدية قد تركت أثرها فيه وفي بنيان فكره.
وقد استقر آحاد هـعام عام 1886 في أوديسـا للعمل في التجارة، وأوديسا إحدى المدن الجديدة التي أنشأها القياصرة على البحر الأسود بعد ضمها من الدولة العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وقد أصبحت مركزاً تجارياً مهماً ونشيطاً. وقد تم توطين أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الروس البيض، كعنصر استيطاني يخلق وجوداً أو كثافة سـكانية روسـية بيضاء، أي أن اليهـود تم توطينهم كروس، ولذا فقد مُنحوا حقوقاً ومزايا كثيرة. وكانت أوديسا تختلف كثيراً عن جو الشـتتل، كما كانت بعـيدة عن مراكز الدراسـة الأرثوذكسية، وكانت مركزاً مهماً لأدب العبرية والفكر الصهيوني في روسيا.
ثقَّف آحاد هعام نفسه بنفسه، فدرس العلوم وقرأ أدب حركة التنوير وتعلَّم بعض اللغات الأوربية ودرس الفلسفة. فتأثر بالفلسفة الوضعية في روسيا من خلال أعمال المفكر الروسي بيساريف الذي عرَّفه على أعـمال جـون ســتيورات ميل. وقد تأثر كذلك بفلسفة لوك، ولكن هربرت سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) وفلسفته العضوية الداروينية كان لهما أبعد الأثر في تفكيره، وكان هو نفسـه يَعُد سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) أقرب المفكرين إلى قلبه. كما تأثر بفلسفة نيتشه وهردر تأثراً عميقاً، شأنه في هذا شأن كثير من المفكرين والمثقفين اليهود في عصره. ويتجلى عمق تأثر آحاد هعام بنيتشه في زعمه أن النيتشوية واليهودية صنوان.
ذهب آحاد هعام إلى أن الذي خرج من الجيتو ليس اليهود وحسب وإنما اليهودية نفسها. لقد خرجت إلى عالم حديث يمثل قوة جذب هائلة بهرت اليهود، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على الاستمرارية اليهودية وعلى الهوية اليهودية، كما يؤدي إلى فقدان اليهود إحساسهم بالوحدة والترابط وإلى ضعف تمسُّكهم بقيمهم وتقاليدهم.
كما خرجت اليهودية، علاوة على ذلك، إلى عالم مُشبَّع بالروح القومية العضوية حيث يتعيَّن على الغريب الذي يريد أن يندمج في مثل هذه الحضارة أن يطمس شخصيته وينغمس في التيار الغالب. ولذا، فإن الاندماج حل أتى من الخارج يهدف إلى خَلْق حياة جديدة تماماً لا علاقة لها بالهوية اليهودية، وبالتالي فإن الوحدة اليهودية ستتفتت وتنقسم اليهودية إلى أكثر من نوع واحد، يختلف كل نوع منها باختلاف البلد الذي ينتمي إليه اليهودي. وفي الواقع، فإن القومية العضوية ترفض الآخر حتى لو أراد الاندماج والذوبان فيها، ولذا فإن حل الذوبان لم يكن مطروحاً أصلاً في الوسط السلافي أو الجرماني الذي كان يتحرك فيه اليهود (أي أن فكرة الشعب العضوي تُصنِّف الآخر على أنه عضو في الشعب العضوي المنبوذ، والآخر هنا هو اليهود في المحيط الجرماني والسلافي أي في كل أوربا).
وقد خرج اليهود واليهودية من الجيتو في لحظة كان الدين اليهودي فيها قد تحوَّل إلى عبء حقيقي، فأهل الكتاب قد أصبحوا عبيداً للكتاب حتى أصبح عمل هذا الكتاب هو أن يُضعف كل قوى الإبداع الذاتي والعاطفي لدى اليهود ويحطمها. وتحوَّل القانون إلى قانون مكتوب جامد، وتَوقَّف تَطوُّر اليهود، واختفى العالم الداخلي تماماً، وأصيب اليهود بالشلل الحضاري. ولذا، كان السؤال هو: هل يمكن تطبيع اليهود وتحرير الروح اليهودية من أغلالها لتعود إلى الاندماج في مجرى الحياة الإنسانية دون أن تضحي بالهوية اليهودية وبالطابع الخاص لها؟
حسب تصوُّر آحاد هعام، تأخذ المسألة اليهودية شكلين: أحدهما في الشرق، وثانيهما في الغرب. وقد نجحت المسألة اليهـودية في الغـرب في إعـتاق اليهــود ثم في إفقادهم هويتهم اليهودية، كما نجحت في تعريضهم لمسألة معاداة اليهود الأمر الذي أعاد اليهودي لعالمه اليهودي لا حباً فيه وإنما هرباً من معاداة اليهود. ولكنه عند عـودته وجـد العـــالم اليهودي ضيقاً لا يُشبع حاجاته الثقافية، بل إن العالم اليهودي لم يَعُد جزءاً من ثقافته (فهو يهودي غير يهودي). ولذا، فهو يصبو إلى إنشاء دولة يهودية يستطيع أن يعيش فيها حياة تشبه حياة الأغيار التي يحبها ويحقق فيها لنفسه كل ما يريد من أشياء يراها الآن أمامه ولا يستطيع الوصول إليها. وهو إن لم يستوطنها بنفسه وبقى حيثما يكون، فإن مجرد وجودها على الأقل سوف يرفع مكانته أينما كان، فلن يُنظَر إليه نظرة احتقار باعتباره عـبداً يعتـمد على استـضافة أهـل البلاد له. إن الدولة اليهودية، بل مجرد التفكير فيها، هو شيء يشفيه من مرض نفسي هو الشعور بالضعة، فمحور المشكلة في الغرب هو الفرد اليهودي المندمج الذي تُسبِّب له معاداة اليهود شيئاً من الإحباط والإحساس بالضعة. أما يهود الشرق فهم على عكس ذلك، فالمشكلة بالنسبة إليهم ذات شقين: شق مادي وشق ثقافي. لكن دولة هرتزل لن تَحُل أياً من المشكلتين، فهي لا تكترث أصلاً بالجانب الثقافي. أما فيما يتعلق بالجانب المادي، فإن آحاد هعام كان يرى استحالة إخلاء أوربا من اليهود الفائضين، فالدولة اليهودية لن تُوطِّن سوى قسم من اليهود في فلسطين، وبالتالي فإن حل المشكلة حلاًّ كلياً أمر غير ممكن. وسيظل الاعتماد على الحلول الأخرى المطروحة ضرورياً (مثلاً: زيادة عدد المزارعين والعاملين بالمهن اليدوية من اليهود). وفي نهاية الأمر، فإن حل الشق المادي سيعتمد في الأساس على الحالة الاقتصادية وعلى المستوى الثقافي للأمم المختلفة التي تُوجَد فيها أقليات يهودية.
|