الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













ورغم معارضة كثير من أعضاء الجماعات اليهودية، ونتيجة تنامي قوة الصهاينة (ارتفع عدد الصهاينة إلى 150 ألفاً) وإحساسهم بتأييد الحكومة الأمريكية لهم، اقترح القادة الأمريكيون الصهاينة إقامة مؤتمر يهودي أمريكي عن طريق الانتخاب الديموقراطي لمناقشة مشكلات اليهـود فيما بعـد الحرب وضمن ذلك إقامة وطـن قومي في فلسطين وغيرها. وقد عُقد هذا المؤتمر في 15 ديسمبر 1918 في فيلادلفيا، وقد تبنَّى قراراً يطالب عصبة الأمم بتولية بريطانيا العظمى مهام الانتداب على فلسطين. وتَطوُّع عدة آلاف من الشباب الأمريكي اليهودي للسفر إلى فلسطين، بيد أن العدد الحقيقي لم يتعد 50 فرداً هم الذين استقروا هناك. وهذا مؤشر آخر على طبيعة الفكرة الصهيونية بالنسبة لليهودي الأمريكي، فالمواطن الأمريكي اليهودي يحس بأن ما يدفعه للصهاينة من تبرعات هو الضريبة التي على أساسها يكتسب انتماءه الروحي والفكري وإحساسه بالهوية. وبعد الحرب، قام برانديز بزيارة فلسطين وصاغ خططاً عديدة لإدارة الاستيطان الصهيوني على أسس رأسمالية رشيدة، ومن خلال لجان تكنوقراطية، أي أنه كان يحاول أن يفرغ الاستيطان الصهيوني من خصوصيته الإحلالية وبالتالي حاجته للدعم المالي والمعنوي الدائم، وهو الأمر الذي أدرك المستوطنون استحالته فحدث صراع بين برانديز ووايزمان. وقد اقترح وايزمان إنشاء صندوق قومي يهودي لتمـويل الاسـتيطان اليهودي في فلسطين وتحسين الاقتصاد اليهودي هناك، وكذلك لإقامة مؤسسات تربوية وتعليمية وعلمية هناك تدار مركزياً من المقر الرئيسي للمنظمة الصهيونية، وقد رفض برانديز ومجموعته قبول هذه الرؤية.

وقد قاد المعارضة هذه المرة لويس ليبسكي (تلميذ دي هاس) وصار رئيساً للمنظمة ومعه كل من أبراهام جولدبرج وإيمانويل نيومان وموريس روزنبرج، وأدَّى هذا إلى انسحاب برانديز وأتباعه الأقربين من المنظمة الأمريكية وركزوا جهودهم على تنمية المجتمع اليهودي في فلسطين اقتصادياً عن طريق مؤسسة فلسطين الاقتصادية التي أنشأوها. وبالمقابل، قام ليبسكي بإنشاء فرع للكيرين هايسود في أمريكا واختير نيومان مديراً له والمحامي صمويل أونترماير رئيساً له. لكن خروج برانديز شكَّل ضربة قوية للمنظمة الأمريكية رغم كل شيء حتى أن عضويتها انخفضت إلى 800 عضو بحلول عام 1929. وقد ارتبط هذا أيضاً بانخفاض التبرعات، وتَدهور الوضع المادي للطبقة الوســطى الأمريكيـة مع الكسـاد العظيـم (ومعظم أعضـاء الجماعـات اليهودية في الولايات المتحدة من أبناء هذه الطبقة).

وقد أصبحت الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، نظراً لحجمها وقدرتها المالية والاجتماعية، المساهم الأول في تطوير الخطط الاستيطانية في فلسطين. وقد بلغت التبرعات التي قدَّمتها المنظمة الصهيونية الأمريكية في الفترة بين عامي 1929 و1939 مبلغ 100 مليون دولار أمريكي. وساعد الصهاينة الأمريكيون في عملية التهجير غير الشرعي لليهود، وهو ما يعكس تنامي قوتهم في الحركة العالمية وتناقص قوة الأوربيين والبريطانيين على وجه الخصوص. وفي عام 1939 رفضت الولايات المتحدة الكتاب الأبيض الذي حدَّد هجرة اليهود إلى فلسطين وقامت بالضغط من أجل فتح أبواب فلسطين (في الوقت الذي أوقفت فيه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة).

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، شُكِّلت لجنة طوارئ برئاسة ناحوم جولد مان وصارت هذه اللجنة أهم منبر سياسي للصهيونية الأمريكية، وأُعيـدت تسـميتها باسـم «لجنة الطوارئ الصهيونية الأمريكية». وقد أصدرت بياناً نوهت فيه بأن الاحتجاج على الكتاب الأبيض البريطاني عام 1939 يجب ألا يقتصر على الاجتماعات والمؤتمرات بل يجب أن يكون هناك موقف إيجابي  لبرنامج عملي لفلسطين في فترة ما بعد الحرب. ولهذا الغرض، أقام الصهاينة الأمريكيون مؤتمراً في فندق بيلتمور بنيويورك في الفترة بين 9 ـ 11 مايو 1942، وكانت نتيجة هذا المؤتمر المقررات التي عُرفت باسم مقررات أو برنامج بلتيمور القاضي بوجوب فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي تحت رعاية وسلطة الوكالة اليهودية ووجوب تحويلها إلى كومنولث يهودي على أساس وجود أغلبية يهودية، ويجب دمج الكومنولث في بنية العالم الديموقراطي الجديد. وصار هذا البرنامج، الذي يستخدم مفردات لغة الخطاب الأمريكي حول العالم الديموقراطي الجديد والحرية، الحل الصهيوني الرسـمي لمشـكلة فلسـطين.

ويعطينا مؤتمر بلتيمور والبرنامج الذي نجم عنه دلالة قوية على ارتباط الحركة الصهيونية بالتشكيل الاستعماري الغربي، فمع تغيُّر مركز الثقل الإمبريالي من بريطانيا وانتقاله إلى أمريكا، ازدادت أهمية الولايات المتحدة وبالتالي الحركة الصهيونية التوطينية فيها. ومع اندلاع الحرب ووضوح أن الولايات المتحدة في سبيلها إلى وراثة كل القوى الإمبريالية الأوربية، كان هذا البرنامج بمنزلة تدشين للصداقة والعلاقة الوثيقة بين القوة الإمبريالية الصاعدة والحركة الصهيونية التي تبحث عن راع إمبريالي. وقد شهدت تلك الفترة أيضاً ازدياد أهميـــة رؤســاء الحركة الصهيــونية في أمريكا حتى أنهم صاروا يُعامَلون كرؤساء الدول ورؤساء الحكومات، وقد أعطاهم هذا انطباعاً موهوماً بأن هذا هو ما سيحدث لو أُنشئت الدولة.

وقد دعا ستيفن وايز وناحوم جولدمان الجمعيات اليهودية الأمريكية إلى إرسال مندوبين إلى مؤتمر تمهيدي في بتسبرج في يناير 1943 لطرح خطة عمل مشتركة بصدد مصير فلسطين بعد الحرب. وطالب هؤلاء بتشكيل جيش يهودي يحارب إلى جانب قوات الحلفاء وأرسلوا عريضة إلى الرئيس روزفلت مطالبين إياه بالضغط على الحكومة البريطانية للعمل على إنشاء وطن قومي لليهود بعد الحرب بما في سلطتها من صلاحيات الانتداب. وفي 23 أغسطس عام 1943 عُقد المؤتمر الأمريكي اليهودي بحضور اللجنة الأمريكية اليهودية ولجنة العمل اليهودية وهما منظمتان غير صهيونيتين. ورأس لجنة فلسطين في المؤتمر الحاخام أبا هليل سيلفر. وقد استخدم سيلفر موهبته الخطابية لإثارة حماس الحضور، وتمت الموافقة بالإجماع تقريباً على قرار يطلب فتح أبواب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين للاستيطان هناك تحت إدارة الوكالة اليهودية (وذلك من أجل الوصول إلى أغلبية يهودية في فلسطين لخلق الكومنولث اليهودي المنشود).

وقامــت لجنة الطــوارئ بشن حملة مكثفة واسعة النطاق لجمع التأييــد للمشــروع الصهيوني في أنحاء الولايات المتحدة كافة وقد أحـــرزت تلك الحملــة نجاحــاً منقطع النظير. وظهر هذا النجاح في تشكيــل لجنة رأي عام أمريكية تؤيد برنامج بلتيمور هي اللجنة الأمريكــية المسيحية من أجــل فلســـطين التي شُكِّلت بمبـــادرة من الصهاينة عام 1946 عن طريـــق اندماج لجنـــة فلســـطين الأمريكية والمجلـــس المسيـــحي من أجـــل فلسطين، وقد شملت هذه اللجنــة في عضــويتها 20 ألف فرد في كل مجال من مجالات الحياة.

وفي المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين (1946)، قام بن جوريون وأبا هليل سيلفر بمعارضة محاولات وايزمان الرامية إلى الرضوخ للسياسة البريطانية ونجحا في كسب تأييد المؤتمر، وهو ما أدَّى إلى استقالة وايزمان. وتبوأ بن جوريون رئاسة المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية وأصبح سيلفر رئيساً للفرع الأمريكي للوكالة. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الصهيونية استمرت حتى تكوين دولة إسرائيل عام 1948 وتميَّزت هذه المرحلة بالتعاون بين الصهاينة الاستيطانيين في فلسطين والصهاينة التوطينيين الأمريكيين.

وقد استمرت مرحلة التعاون هذه فترة عامين، فبعد إعلان الدولة وجد التوطينيون أنفسهم بدون سلطة حقيقية. بل إن بن جوريون طالب بأن تتسع دائرة التأييد لتشمل كل اليهود ومنهم غير الصهاينة، الأمر الذي هدد المنظمة الصهيونية نفسها. وقد عارض أبا هليل سيلفر هذا بشدة وأصر على أن دور المنظمة بعد إنشاء الدولة لا يقل خطورة عن دورها قبله. ووصل هذا الخلاف إلى ذروته في فبراير عام 1949 عندما استقال إيمانويل نيومان وأبا هليل سيلفر من منصبيهما في الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية الأمريكية. وهكذا أُحكمت قبضة الاستيطانيين بالكامل على المنظمة التي أصبحت مهمتها الوحيدة جَمْع المال لمصلحة دولة إسرائيل.

ويجب أن نضع في الاعتبار دائماً أن الحركة الصهيونية واجهت معارضة شديدة في البداية من أعضاء الجماعات اليهودية، ولم تحقق نجاحها إلا بعد أن تأكد يهود أمريكا من أن الصهيونية والمصالح الأمريكية شيء واحد، أي أن صهيونية يهود أمريكا نابعة من أمريكيتهم لا من يهوديتهم. كما يمكن القول بأن الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، رغم تشنجها الواضح، هي من النوع التوطيني وحسب، إذ لا يهاجر إلا قلة قليلة.

سابق

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد السادس