تاريــخ الصهيونيـة في فرنسـا
History of Zionism in France
لم تكن الصهيونية غير اليهودية قوية في فرنسا، فهي بلد كاثوليكي (والصهيونية غير اليهودية ظهرت وترعرت داخل التشكيل البروتستانتي بالأساس). ومع هذا، ظهرت شخصيات صهيونية غير يهودية داخل التشكيل الاستعماري الفرنسي من أهمها نابليون بونابرت وإرنست لاهاران.
أما بالنسبة للصهيونية بين يهود فرنسا، فيمكن أن نلخص مراحل تطورها فيما يلي:
1 ـ المرحلة الأولى 1880 ـ 1919 (مرحلة النشأة):
كانت الغالبية العظمى من اليهود المولودين في فرنسا لا مبالية إن لم تكن معادية للبرنامج الصهيوني. وحينما بدأ النشاط الصهيوني في فرنسـا على يـد البارون إدموند دي روتشـيلد والتحالف الإسرائيلي العالمي، كان نشاطاً توطينياً، فقد قاما بإنشاء شبكة من المدارس في فلسطين لتدريب اليهود المستوطنين (الذين أتوا أساساً من شرق أوربا) على الزراعة. وقد كان اليهود في فرنسا يمثلون في الأغلب الأعم الشرائح المتوسطة في الطبقة الوسطى، وبذا كان الاتجاه الغالب هو رفض الحل الصهيوني الذي يطلب منهم التخلي عن الوضع المستقر الذي يعيشونه والذهاب إلى أرض يجهلونها تماماً. وكان التوجه السياسي العام لليهود في فرنسا محافظاً ومسايراً لحكومة فرنسا بوجه عام. ولأن الحكومة الفرنسية (في المراحل الأولى من الصهيونية) لم تكن مهتمة بفلسطين، فإن يهود فرنسا تبنوا موقفها. كما أن القيادات الصهيونية الأولى نفسها لم تكن مهتمة بالتوجه للحكومة الفرنسية بحكم نشأتها في ألمانيا. ومع هذا، لاقت الصهيونية في فرنسا ترحيباً كبيراً من قبَل المهاجرين اليهود من شرق ووسط أوربا الذين بدأوا في الوصول إلى فرنسا مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهكذا كان قادة الحركة الصهيونية في فرنسا هم على التوالي: إسرائيل يفرويكين ومارك ياربلوم وجوزيف فيشر، وكلهم من شرق أوربا. ويمثل هؤلاء المادة البشرية المطلوبة للفكر التوطيني.
وكان أول تجمُّع يشكله هؤلاء في فرنسا هو تجمُّع اليهودي الأبدي الذي شكَّلته جماعة من المهاجرين الروس على شاكلة التجمعات الطلابية المماثلة في روسيا عام 1881. وأسست هذا التجمع جماعة استيطانية اسمها "بني صهيون" عام 1886 ، وقامت هذه الجمعية بشراء 120 دونماً من الأرض في وادي حنين في فلسطين. وعلى المنوال نفسه، نشأت جمعيات طلابية صهيونية في مختلف أنحاء فرنسا. وحاول الطلاب الفرنسيون اليهود ذوو الأصل الروسي أن يكون التجمع في شكل لجنة مركزية تمثل جمعيات أحباء صهيون كافة من بقاع الأرض كافة. بيد أن هذه المحاولة باءت بالفشل. وقد كان عدد المندوبين الفرنسيين في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) 12 مندوباً، ولم يكن معظمهم من يهود فرنسا. وتذكر المصادر الصهيونية أن كبير حاخامات فرنسا، الحاخام زادوك كاهـن، قد أثَّر كثيراً في الحركـة الصهيونيـة رغم رفضه المُعلَن لها. ونجد أن أبرز الصهاينة الفرنسيين في تلك الفترة هو البيولوجي ألكسندر مارموريك الذي ترأس الاتحاد الصهيوني الفرنسي منذ إنشائه عام 1901 وحتى وفاته عام 1923، والكاتب برنار لازار الذي كان من بين المدافعـين عن دريفوس، والنحـات فردريش بير، والكاتبة ميريام شاخ. وجميعهم باختصار من مثقفي باريس المعارضين الذين وجدوا في الفكر الصهيوني التوطيني وسيلة للتعبير عن الذات والتميز داخل المجتمع الثقافي في فرنسا. وطوال الفترة الممتدة بين المؤتمر الصهيوني الأول وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يزد اليهود المنضمون للحركة الصهيونية ومنظماتها العديدة في فرنسا عن بضع مئات من المثقفين ممن لا تأثير لهم في الجماعة اليهودية التي ظلت ترفض الصهيونية.
2 ـ المرحلة الثانية: 1914 ـ 1939 (مرحلة التطور):
تميَّزت هذه المرحلة بازدياد الاهتمام المُتبادَل بين الحكومة الفرنسية والحركة الصهيونية ونمو العلاقة بين الصهاينة والحركات المعارضة. وكانت المادة البشرية في هذه المرحلة من يهود الألزاس واللورين أساساً ثم من الفارين من ألمانيا النازية. وتميَّز الموقف العام للجماعة اليهودية بالاهتمام والترقب دون التأييد الكبير.
ومع الحرب العالمية الأولى وازدياد الاهتمام الإمبريالي الفرنسي بالمشرق العربي بعد أن كان مقصوراً على المغرب، ومع انتصار الحلفاء على دول الوسط وتفتُّت الإمبراطورية العثمانية وسَلْخ الألزاس واللورين من ألمانيا وضمهما لفرنسا، بدأت الحكومة الفرنسية تُظهر اهتماماً خاصاً بالحركة الصهيونية وبدأت أسماء السياسيين تظهر في قائمة مؤيدي الصهيونية. وقد تَوافَق مع هذا الاتجاه التغير في قيادة الحركة الصهيونية وتوجُّهها نحو بريطانيا وفرنسا بدلاً من ألمانيا والنمسا لتكونا القوتين الإمبرياليتين الراعيتين للحركة. ومن ثم، فقد شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين نمواً مطرداً في صفوف الحركة الصهيونية في فرنسا حيث وجد يهود الطبقة المتوسطة أن هذا التأييد يضمن لهم مكانتهم في المجتمع نظراً لأنه موقف الحكومة الرسمي، ووجد يهود الألزاس واللورين ذوو الارتباطات الثقافية الألمانية في الحركة الصهيونية نوعاً من التحقق القومي الرومانسي الذي يمثل استمراراً لتلك الارتباطات الثقافية ولا يتعارض في الوقت نفسه مع انتماءاتهم الألمانية الرومانسية التي تغيَّرت. وقد شكَّل هؤلاء في ستراسبورج (عام 1917) حركة صهيونية شبابية عُرفت باسم «هاتيكفاه»، ومن هذه المنطقة أتى معظم المهاجرين اليهود إلى إسرائيل.
|