اليهودية المتمركزة حول الأنثى
Feminist Judaism
كلمة «فيمنست feminist» الإنجليزية في تَصوُّرنا مختلفة تماماً عن عبارة «ويمنز ليبريشياون موفمنت Women's Liberation Movement». فالعبارة الأخيرة، يمكن التعبير عنها بعبارة «حركة تحرير المرأة» أما الأولى فنحن نؤثر التعبير عنها بعبارة «حركة التمركز حول الأنثى» (لأسباب سوف نوردها فيما بعد). ومن هنا قولنا «اليهودية المتمركزة حول الأنثى» (الأنثى اليهودية بطبيعة الحال). وقد ظهرت حركات سياسية واجتماعية وفكرية تدور حول موضوع المرأة في المجتمع. ويمكن أن نقسم هذه الحركات إلى اتجاهين: حركات تحرير المرأة، وحركات التمركز حول الأنثى. والحركات الأولى حركات اجتماعية سياسية فكرية تهدف إلى تحقيق العدالة في المجتمع بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان من تحقيق ذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل. وعادةً ما تطالب مثل هذه الحركات بحقوق المرأة سواء السياسية (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السلطة)، أو الاجتماعية (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال)، أو الاقتصادية (مساواة المرأة بالرجل في الأجور). وبرغم أن حركات تحرير المرأة تَصدُر عن مفهوم تعاقدي للمرأة (باعتبارها فرداً مستقلاًّ بذاتها لا باعتبارها أماً وعضواً في أسرة)، فإن حركات تحرير المرأة تدور في إطار بعض القيم الاجتماعية المستقرَّة، وتَقَبل المفهوم التقليدي لدور المرأة في المجتمع والمفهوم التقليدي للطبيعة البشرية.
أما حركات التمركز حول الأنثى فهي رؤية معرفية أنثروبولوجية اجتماعية تقف على طرف النقيض من كل هذا، فهي تَصدُر عن مفهوم أساسي هو أن تاريخ الحضارة البشرية إن هو إلا تعبير عن هيمنة الذكر على الأنثى، وهي هيمنة تمت إثر معركة أو مجموعة من المعارك حدثت في عصور موغلة في القدم حينما كانت المجتمعات كلها مجتمعات أمومية تسيطر عليها الأنثى أو الأمهات، وكانت الآلهة إناثاً، وكان التنظيم الاجتماعي نفسه يتصف بالأنوثة، أي بالرقة والوئام والاستدارة (التي تشبه نهود الإناث وعضو التأنيث). ثم سيطر الذكور وأسسوا مجتمعاً مبنياً على الصراع والسلاح (الذي يشبه عضو التذكير) وعلى الغزو (الذي يشبه اقتحام الذكر للأنثى). وانطلاقاً من هذه الرؤية للتاريخ، يطرح دعاة التمركز حول الأنثى برنامجاً إصلاحياً يدعو إلى إعادة صياغة كل شيء؛ التاريخ واللغة والرموز، بل الطبيعة البشرية نفسها. فالتاريخ في تصورهم سرد للأحداث من وجهة نظر ذكورية، ولابد أن يعاد السرد من وجهة نظر أنثوية، والرموز التي فرضها الذكور لابد أن تضاف إليها رموز أنثوية. واللغات، التي عادةً ما تفضل صيغة التذكير على صيغة التأنيث، لابد أن يعاد بناؤها بحيث تستخدم صيغاً محايدة أو صيغاً ذكورية أنثوية. وهذا البرنامج الإصلاحي يهدف في نهاية الأمر إلى إعادة صياغة الإدراك البشري نفسه للطبيعة البشرية كما تحققت عبر التاريخ وتجلت في مؤسسات تاريخية وأعمال فنية، فهذا التحقق وهذا التجلي إن هما إلا انحراف عن مسار التاريخ الحقيقي بعد استيلاء الذكور عليـه!
إن ما تُنادي به حركة التمركز حول الأنثى يختلف تماماً عما تنادي به حركة تحرير المرأة. فالرجل يمكنه أن ينضم إلى حركة تحرير المرأة، ويمكنه أن يدخل في حوار بشأن ما يُطرَح من مطالب لضمان تحقيق العدالة للمرأة ولضمان ألا تتحول الاختلافات بين الجنسين إلى أساس بيولوجي للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي بينهما (وكأن المرأة تعادل الرجل الأسود في المنظومة العنصرية الغربية البيضاء). ويمكن أن يتبنى المجتمع الإنساني بذكوره وإناثه برنامجاً للإصلاح في هذا الاتجاه، ومن الممكن أن يؤيد الرجال والنساء ذلك. أما حركة التمركز حول الأنثى فلا يمكن أن ينضم لها الرجال، فالرجل باعتباره رجلاً لا يمكنه أن يشعر بمشاعر المرأة، كما أنه مُذنب يحمل وزر هذا التاريخ الذكوري، رغم أنه ليس من صنعه. ولا يوجد برنامج للإصلاح وإنما يوجد برنامج للتفكيك يهدف إلى تغيير الطبيعة البشرية ومسار التاريخ والرموز واللغات.
وفي تَصوُّرنا أن الرؤية الكامنة وراء حركة التمركز حول الأنثى رؤية حلولية تستند إلى رؤية واحدية كونية إذ تحاول اختزال الكون بأسره إلى مستوى واحد، فتدمج الإله والطبيعة والإنسان والتاريخ في كيان واحد وتحاول أن تصل إلى عالم جديد تماماً تتساوى فيه الأطراف والمركز، عالم لا يوجد فيه قمة وقاع ولا يمين ويسار (ولا ذكر وأنثى)، وإنما يأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على أرضية واحدة وتَمَّحي فيها كل الثنائيات.بل إن تحقُّق هذا النمط يتم عند نقطة الصفر حين تصبح كل الكائنات شيئاً واحداً. وبينما تعترف حركة تحرير المرأة بالاختلافات بين الرجل والمرأة، وتحاول ألا يكون هناك تفاوت اقتصادي أو إنساني نتيجة هذا الاختلاف، فإن حركة التمركز حول الأنثى لا ترفض التفاوت وحسب وإنما ترفض الاختلاف نفسه. وبينما تعترف حركة تحرير المرأة بأن هذا الاختلاف يؤدي إلى اختلاف في توزيع الأدوار وتأمل ألا ينجم عن هذا الاختلاف ظلم أو تفاوت اجتماعي، فإن حركة التمركز حول الأنثى ترفض توزيع الأدوار وتطالب بأن يصبح الذكور آباء وأمهات، وأن تصبح الإناث بدورهن آباء وأمهات. بل إن الأمر يمتد ليشمل الأحاسيس نفسها. فالمرأة يجب أن تشعر مثل الرجل، والرجل يجب أن يشعر مثل المرأة. ويمتد الأمر لرؤية الإنسان للإله. فحركة التمركز حول الأنثى ترى أن كل التاريخ يدور حول مركز، وهذا المركز هو الرجل؛ عضو التذكير، السلطة، الإله الذكر. ويجب أن يحل محل هذا شيء محايد بحيث ينظر للإله باعتباره ذكراً وأنثى، أو ذكراً ثم أنثى، أو ذكراً في أنثى، أو لا ذكر ولا أنثى (وهذه هي مرحلة ما بعد الحداثة حين تسقط كل الحدود ويضمُر المركز ثم يختفي).
والمفارقة الكبرى تكمن في أن حالة السيولة الحلولية الكونية ينتُج عنها حالة تفـتُّت ذري وازدواجيــة صلبة. وتظهــر الازدواجيـة الصلبة في تأكيـد حركة التمــركز حول الأنثى أن ما تحس به الأنثى لا يمكن أن يحس به الذكر، ومن ثم فالتجربة التاريخيــة للأنثى مغــايرة تماماً للتجـربة التاريخية للذكر. أما التفتت الذري فيظهر في مطالبة مساواة الذكر بالأنثى بشكل مطلق. وحينـما نصل إلى هذه المرحلة، فإننا لا نتحدث عن برنامج للإصلاح وإنما عن برنامج تفكيـكي تختـفي فيه كل المقولات الثــنائية التقلـيدية، مثل: إنسان/طبيعة، إنسان/حيــوان، ذكــر/أنثــى، ويختـفي المركــز تماماً، ويصــبح التمييز مستحيلاً. ولذا، تلتحم حركة التـمركز حول الأنثى بحركات حلولية مماثلة كالدفاع عن السحاق، وعــبادة الأرض، فهي جميــعاً حركــات تفـترض أن ما هو مطــلق لا يتجاوز المادة وإنما يكمن ويحل فيها، فهو الأرض بالنســبة لعبدة الطبيــعة، وهو الأنثــى بالنــسبة لحركــات التمــركز حول الأنثى، وهو الطبقة العاملة بالنسبة للفكر الشيوعي، والمنفعة واللذة الفردية بالنسبة لليبرالية. وهذا المطلق الحال هو الذي يحرك التاريخ ويساوي بين كل الكائنات ويسويها الواحدة بالأخرى.
ويبدو أن المرأة اليهودية كانت مرشحة أكثر من غيرها لأن تنخرط في صفوف حركات تحرير المرأة ثم حركات التمركز حول الأنثى في الغرب لأسباب عديدة، من بينها:
1 ـ ارتفاع معدلات العلمنة بين الإناث اليهوديات في الغرب بنسبة تفوق مثيلتها لا بين أعضاء المجتمع وحسب وإنما بين الذكور اليهود أنفسهم (ولعل هذا يعود إلى أن الأنثى اليهودية كانت لا تتلقى تعليماً دينياً، كما أنها كانت غير ملزمة بأداء كثير من الشعائر الدينية اليهودية).
2 ـ لابد أن الفكر الحلولي اليهودي ولَّد لدى الإناث اليهوديات قابلية عالية للغاية لتَقبُّل نزعة التمركز حول الأنثى والدعوة إليها. ويُلاحَظ أن مقولة يهود/أغيار تقابل تماماً مقولة أنثى/ذكر. كما أن التمركز حول الأنثى يشبه التمركز حول الهوية اليهودية. ورؤية تاريخ البشر كتاريخ ظلم وقمع واضطهاد (لليهود وللإناث)، هو الآخر، عنصر مشترك. ويشترك الفريقان في البرنامج التفكيكي العدمي.
|