الماســونية واليهــودية وأعضـاء الجماعــات اليهوديـة
Freemasonery and Judaism and Jewish Communities
قد يكون من المهم جداً، حين نحاول تحديد علاقة الماسونية باليهود واليهودية، أن نؤكد مرة أخرى الفرق بين أعضاء الجماعات اليهودية الخاضعين لحركيات الحضارات المختلفة التي ينتمون إليها واليهودية كنسق ديني أو حتى كتركيب جيولوجي. وقد يقول قائل إن الماسونية حركة لا علاقة لها بالدين بالمعنى الدقيق للكلمة باعتبارها حركة أخلاقية أخوية وحسب. فالدين علاقة بالخالق تأخذ شكل الإيمان به وعبادته، أما الأخلاق فهي نسق من الأفكار ينظم علاقة الإنسان بالإنسان لا بالخالق، ومن ثم فالماسونية تتعامل مع رقعة من الوجود الإنساني تختلف عن تلك التي يتعامل معها الدين. ولكن كلاًّ من التعريفين السابقين للأخلاق والدين قاصر، فالدين هو إيمان الإنسان بالإله (المطلق ـ الغيب) كعقيدة تترجم نفسها إلى سلوك وإلى علاقة بين الإنسان والإنسان. ولكن الدين ليس فقط عبادات وإنما معاملات أيضاً. والأخلاق بدورها ليست مجرد مجموعة من القواعد الخارجية التي تحدد سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وإنما هي مجموعة من القواعد تستند إلى معنى داخلي يعتمد على رؤية للكون، ومن هنا التداخل بين الدين والأخلاق، وكذلك التداخل بين الماسونية والدين.
وقد بيَّنا أن الماسونية بدأت كدعوة ربوبية، فهي نسق فكري ديني متكامل يستند إلى العقل (المادي) وحسب، لا إلى العقل والغيب معاً، يحدد علاقة الإنسان بالخالق وبالطبيعة وبطرق المعرفة. وهي تطرح أمام تابعيها طرق الخلاص وتتكفل بتعليم مريديها السلوك الأسمَى، وتزودهم بأساس فلسفي للأخلاق التي يؤمنون بها، فضلاً عن أن اجتماعاتها تبدأ وتنتـهي بصلاة. ولذا، كان لابد أن تصـطدم الماسـونية بالأديان جميعاً: المسيحية الكاثوليكية، والبروتستانتية، واليهودية الأرثوذكسية وريثة اليهودية الحاخامية. وكانت المسيحية الكاثوليكية أكثر الديانات عداءً للماسونية، فقد أعلن البابا كلمنت الثاني عشر عام 1738 أن الماسونية كنيسة (أي ديانة) وثنية غير مقدَّسة (وهو في تصوُّرنا وصف دقيق لها)، ولم يسمح للكاثوليك بالانضمام إليها. أما الكنائس البروتستانتية، فبعضها فقط ناصبها العداء. أما اليهودية الأرثوذكسية،فهي تحرِّم على اليهود الانضمام إلى المحافل الماسونية،وتعتبر من ينضم إليها خارجاً على الدين،هذا على خلاف الصيغ اليهودية المخففة مثل اليهودية الإصلاحية كما سنبين فيما بعد.
ويمكننا الآن أن نتناول علاقة الماسونية بأعضاء الجماعات اليهودية. وسوف تكون الصورة هنا أكثر تركيباً وتنوعاً واختلاطاً. وكما أشرنا، تُشكِّل الماسونية دعوة ربوبية رخوة تعددية تستند إلى العقل، وهي تطرح على المؤمن بها عقيدة متكاملة، ولكنها لا تطلب منه أن يتخلى عن عقيدته الأصلية، ولذا كان بإمكان كل أعضاء الديانات الانضمام إليها دون أن يضطروا إلى نبذ دينهم (وقد كان هناك محفل ديني في الصين يستخدم الإنجيل والقرآن وكتابات كونفوشيوس ككتب مقدَّسة).
وقد ظهرت الماسونية في وقت كانت فيه اليهودية الحاخامية قد بدأت تدخل مرحلة أزمتها التي أودت بها في نهاية الأمر. فالفكر القبَّالي كان قد حل محل التلمود وقوض اليهودية من الداخل. كما أن شبتاي تسفي من جهة، وإسبينوزا من جهة أخرى، كانا قد شنَّا هجومهما الشرس في منتصف القرن السابع عشر على اليهودية من ناحيتي اليمين واليسار. وكان يهود البلاط والعنصر السفاردي قد حلاّ محل القيادة الحاخامية التقليدية. كل هذا، جعل الثورة العلمانية تترك أعمق الأثر في بعض أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يضيقون ذرعاً باليهودية وأخذوا يبحثون عن مخرج لهم منها، فظهرت بينهم حركة التنوير واليهودية الإصلاحية. وقد حل بعضهم أزمته بأن تَنصَّر. ولكن الانتقال إلى المعسكر المسيحي أمر صعب من الناحية المضمونية والتعبيرية، فعقيدة مثل التثليث، أو رمز مثل الصليب، أمور من الصعب على كثير من اليهود تَقبُّلها.
وقد حلت الماسونية مشكلة هؤلاء اليهود الذين اغتربوا عن يهوديتهم، والذين ازدادت معدلات العلمنة بينهم، والذين كانوا يريدون الاندماج في مجتمع الأغيار ولكنهم لا يريدون التنصر. وكان ظهور الحركة الماسونية علامة على أن مجتمع الأغيار قد بدأ يفتح ذراعيه لهم، وأصبحت المحافل الماسونية الأرضية الروحية والفعلية التي يمكن أن يلتقي أعضاء الجماعات اليهودية فيها مع قطاعات مجتمع الأغلبية.وقد كانت هذه الأرضية تتسم بقسط معقول من الحياد،فرغم وجود رموز ذات أصل مسيحي،ومع أن الفكر الماسوني احتفظ ببعض الأفكار المسيحية، فقد كانت هناك رموز ذات مضمون عقلاني عام (رموز البناء) وهي رموز عامة ومحايدة. وماذا يمكن أن يكون أكثر حياداً من أدوات الهندسة التي يستخدمها البناء؟ بل كانت هناك رموز يهودية أيضاً: سليمان والهيكل وكلمات عبرية. كما كانت هناك رموز كونية عامة يمكن أن يشارك أعضاء الجماعات اليهودية فيها. ولكن الأهم من كل هذا أنه لم يكن مطلوباً منهم اعتناق دين جديد أو رفض دينهم القديم، فكل ما كان مطلوباً منهم هو إزاحته جانباً أو تهميشه وإعادة تأسيس عقيدتهم على العقل لا الغيب. ولذا، انخرط اليهود بأعداد متزايدة في صفوف الماسونية. ويُلاحَظ أن أول الماسونيين بين اليهود كانوا من السفارد، إذ أن معدلات العلمنة كانت مرتفعة بين العنصر السفاردي. ثم بدأت تنخرط في سلك المحافل الماسونية عناصر يهودية أخرى تزايدت بينها معدلات العلمنة، مثل: أتباع اليهودية الإصلاحية، وبقايا العناصر الشبتانية، واليهود الذي تأثروا بالقبَّالاه. ولذا، يجب أن نؤكد أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين انضموا إلى المحافل بأعداد متزايدة فعلوا ذلك لا بسبب يهوديتهم أو عقيدتهم، وإنما بالرغم منها. بل إن انخراطهم في المحافل الماسونية يمثل بالنسبة لبعض اليهود صياغة دينية مخففة تساعدهم على التخلص من هويتهم الدينية بدون إحساس بالحرج من عدم وجود إيمان ديني على الإطلاق.
|