الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













لاهــوت مــــوت الإلــه

Death of God Theology

كلمة «لاهوت» تشير إلى التأمل المنهجي في العقائد الدينية. وعلى هذا، فإن الحديث عن «لاهوت موت الإله» ينطوي على تناقض أساسي. ومع هذا، شاعت العبارة في الخطاب الديني الغربي، وخصوصاً في عقد الستينيات. وعبارة «موت الإله» في حد ذاتها مأخوذة من فيلسوف العدمية والعلمانية الأكبر فردريك نيتشه. ويحاول لاهوت موت الإله تأسيس عقيدة تَصدُر عن افتراض أن الإله لا وجود له وأن موته هو إدراك غيابه.

والحديث عن موت الإله أمر غير مفهوم في إطار إسلامي، فالله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وفي المسـيحية (ورغم حادثة الصـلب) فإن الإله موجـود من الأزل إلى الأبد. والشيء نفسه يُقال عن الطبقة التوحيدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. ولكن، في إطار حلولي، يصبح الحديث عن موت الإله أمراً منطقياً، فالحلول الإلهي يأخذ درجات منتهاها وحدة الوجود حيث يتجسد (يحل) الإله تماماً في الطبيعة وفي أحداث التاريخ ويتوحد مع الإنسان ومع مخلوقاته ويصبح كامناً فيهما. ولكن لحظة وحدة الوجود هي نفسها اللحظة التي يصبح الإله فيها غير متجاوز للمادة، ويتوحد الجوهر الرباني مع الجوهر المادي ويصبح هناك جوهر واحد، ومن ثم يفقد الإله سمته الأساسية (تجاوزه للطبيعة والتاريخ وتنزهه عنهما) ويشحب ثم يموت، ويصبح لا وجود له خارج الجوهر المادي. ولاهوت موت الإله هو فكر ديني مسيحي ويهودي ظهر في عقد الستينيات في العالم الغربي، وما يهمنا هنا في هذه الدراسة هو التيار اليهودي داخله.

ويمكن القول بأن لاهوت موت الإله هو حلولية كمونية مادية، حلولية يموت فيها الإله تماماً (وحدة وجود مادية) وتحل مطلقات دنيوية أخرى كامنة في المادة والتاريخ محله. وينطلق لاهوت موت الإله عند اليهود من فكرة قداسة التاريخ اليهودي النابعة من قداسة الشعب اليهودي ومن مركزيته الكونية، وهي قداسة تشمل ما يقوم به هذا الشعب من أفعال، وما يقع له من أحداث. وأهم الأحداث التي وقعت له في الماضي هي العبودية في مصر والخروج منها، والسبي البابلي والعودة منه، ثم سقوط الهيكل والشتات. ولكن أهم ما وقع لليهود على الإطلاق هو الإبادة النازية ليهود أوربا. وهذه الإبادة ليست فعلاً ارتكبته الحضارة الغربية ضد ملايين البشر (من يهود وبولنديين وغجر ومعوقين وعجائز)، وإنما هي جريمة ارتُكبت ضد اليهود وحسب. وهكذا يُنظر إلى الإبادة باعتبارها حادثة تاريخية تجسد الشر المطلق، وهي رهيبة لدرجة أنها تنفي وجود الخير والعقل واليقين والأمل، وهي أخيراً تنفي وجود الإله. وحتى إن كان الإله موجوداً فيجب ألا نثق فيه لأنه تخلَّى عن الشعب اليهودي. بل إن هذه الحادثة تكاد تكون حدثاً يقف خارج التاريخ، فهي عدم تام. وهي مدلول متجاوز لا يمكن أن يدل عليه دال؛  فهو مرجعية ذاته ولا يمكن فهمه إلا بالعودة إليه خارج أي سياق. ويمكن القول بأن كلمة «هولوكوست» أصبحت دالاً ومدلولاً في آن واحد، فهي تشــبه الأيقـونة. ولذا، فالفهـم غير ممكن ولا يمكن سـوى التـذكر.

وكما جاء خروج اليهود بعد العبودية في مصر، والعودة بعد السبي في بابل، جاءت وقفة الشعب اليهودي ومقاومته لما يتهدد بقاءه في أعقاب حادثة سقوط الهيكل والشتات ثم الإبادة. ولنا أن نلاحظ الثنائية الصلبة التي تسم لاهوت موت الإله: عبودية/خروج ـ سبي/عودة ـ شتات/استقلال إسرائيل ـ إبادة/بقاء الشعب، وهي ثنائية صلبة تأخذ شكل حركة دائرية متكررة (ويتسم التفكير الحلولي بالدائرية إذ يختفي التاريخ ويتداخل القومي والديني والإنسان والإله). ولكن هذه الوثنية الحلولية الجديدة هي وثنية بدون إله، إذ تحل الذات القومية محل الإله تماماً، أي أن الشعب اليهودي استوعب في ذاته كل المطلقية والقداسة الممكنة وأصبح مركز الكون والكلمة المقدَّسة (لوجوس) والغرض الإلهي (تيلوس) معاً وفي آن واحد. ولذا، تُعَدُّ مقاومة الشعب اليهودي للإبادة بمنزلة تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفوت) في التراث القبَّالي؛ فهذه المقاومة هي التي تقوم بعملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون). وهي عملية يقوم الإله من خلالها باستعادة وحدته التي فقدها أثناء عملية تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكيليم). وكلما قاوم اليهودي، زادت عملية الإصلاح تسارعاً واكتملت استعادة الإله لوحدته. ومن ثم، فإن الشعب اليهودي يوجد خارج التاريخ ككيان لا يخضع لقوانينه العبثية، ويؤكد المعنى من خلال مقاومته، أو هو بمنزلة الجسر الذي يصل بين الإله والتاريخ (على حد قول آرثر كوهين). وكل هذا يتضمن فكرة حلولية كمونية متطرفة وهي أن الشعب هو الإله وأن هذا الإله لا يتجاوز تاريخ هذا الشعب وإنما يتجلى ويحل ويذوب فيه تماماً ويختفي!

وإذا كانت الجريمة الكبرى هي الفناء، فالفضيلة الكبرى هي المقاومة والبقاء، وكل هذا يجسده ظهور دولة إسرائيل كدولة ذات سيادة تعبِّر عن إرادة الشعب اليهودي ورغبته في البقاء، وتثبت أن الشعب اليهودي يرفض أن يلعب دور الشعب الشاهد كما ترى المسيحية، ولا أن يكون شعباً شهيداً كما تتصور اليهودية الحاخامية التي ترى أن اليهود تم اختيارهم ليكونوا شعباً من الشهداء والقديسين والأنبياء والكهنة لا سيادة له، عاجز لا يشارك في السلطة (وهو الدور الذي يرى دعاة لاهوت موت الإله أنه أدَّى باليهود إلى الاستسلام للإرهاب النازي، وعبَّر عن نفسه في اشتراك القيادات اليهودية في المجالس اليهودية التي أسسها النازيون والتي قامت بتسليم اليهود إلى قاتليهم). لكن الدولة الصهيونية تقف على الطرف النقيض من هذا كله، فهي تحل مشكلة العجز اليهودي الناجم عن انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة، فإسرائيل دولة ذات سيادة ولها سلطة وجيش قوي ومؤسسات عسكرية تدافع عن الإرادة اليهودية المستقلة، وإسرائيل هي الشيء الإيجابي الذي ظهر من رماد أوشفيتس، وهي (باعتبارها رمز بقاء الشعب) تشكل هزيمة للعدم ولهتلر (ولذا، يُشار إلى لاهوت موت الإله بأنه «لاهوت البقاء» و«لاهوت ما بعد أوشفيتس»). بل إن إسرائيل هي حقاً الوسيلة الكبرى لعملية الإصلاح الكوني (تيقون). فمن خلال هذه الدولة يعلن المطلق عن نفسه ويُستعاد الحضور الإلهي داخل التاريخ (على حد قول الحاخام إليعازر بركوفتس). فبقاء الشعب والدولة هو بقاء الإله، واستمرار الشعب والدولة هو استمرار الإله. ولذا، فإن من يقف ضد الدولة ولا يقبلها فهو كمن ينكر وجود الإله، ومن يقبلها بلا شرط فهو وحده المؤمن (على حد قول آرثر روبنشتاين). وقد صرَّح الحاخام إيوجين بورويتز أحد مفكري لاهوت موت الإله بأن الدولة الصهيونية إبان حرب 1967 لم تكن وحدها المهددة بالخطر، بل كان هذا الخطر محدقاً بالإله نفسه.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثالث من المجلد الخامس