|
ويمكن القول بأن مشروع دريدا الفلسفي هو محاولة هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية (بالإنجليزية: أونطوثيولوجي ontotheology) بأسرها والوصول إلى عالم من صيرورة كاملة عديم الأساس لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلول متجاوز، ولذا فهو عالم بلا أصل رباني، بل بلا أصل على الإطلاق، ولذا لا توجد فيه ثنائيات من أي نوع؛ الدوال ملتحمة فيه تماماً بالمدلول، ولذا لا توجد لغة، وإن وجدت لغة فهي الجسد باعتبار أن الجسد يجسد المعنى فلا ينفصل الدال عن المدلول. والنصوص تتداخل بعضها مع بعض، ولا يمكن الحديث عن نص مقابل نص آخر ولا عن نص في مقابل الواقع، كذلك لا يمكن الحديث عن نص مقابل معنى النص، إذ لا يوجد شيء خارج النص ولا يوجد أصل للأشياء، فكل نص يحيل إلى آخر إلى ما لا نهاية، وبذا يكون قد تم إنهاء الميتافيزيقا. وتصبح هذه الرؤية العدمية الفلسفية هي التفكيكية حينما تصبح منهجاً لقراءة النصوص. ولإنجاز هدفه العدمي، يتجه دريدا نحو أحد المفاهيم الأساسية في الفكر البنيوي، أي علاقة الدال بالمدلول، ويبين أنه لا علاقة بين الواحد والآخر، أو أن العلاقة بينهما واهية للغاية. وحيث إنه لا يمكن الاحتفاظ بالعلاقة بين الدال والمدلول إلا من خلال ما يُسمَّى «المدلول المتجاوز» (بالمعنى الديني أو الفلسفي)، فإنه يتجه نحو إسقاط هذا المدلول المتجاوز وإثبات تناقضه وكذلك إثبات وجود الصيرورة داخله. وتفكيك النصوص في واقع الأمر إن هو إلا بحث عن المدلول المتجاوز وعن المركز في النصوص، وتوضيح أن ثمة تناقضاً أساسياً فيها لا يمكن حَسْمه. وأن تماسُك النص واتساقه أمر زائف فهو عادةً تعبير عن إرادة القوة لدى صاحب النص، وليس له أي أساس عقلاني عام. ومع هذا، يرى دريدا أن التناقض يظل قائماً فعالاً، ولذا فعادةً ما يؤدي بالمؤلف إلى إضافة عناصر هي عكس المعنى المقصود تماماً، وهو ما يجعل النص (أدبياً كان أم فلسفياً) يتجاوز حدود المعنى التي يضعها لنفسه والاتساق الذي يفترضه وتظهر فيه الثغرات والتشققات ويقع في التناقض الذي لا يمكن حسمه.
وبهذه الطريقة، يحلل دريدا كل كلاسيكيات الفلسفة الغربية من أفلاطون إلى هيجل، كما يحلل بعض النصوص الفلسفية المعاصرة من ليفي شتراوس إلى لاكان ويقوم بتفكيكها، وهو بهذا يحاول تفكيك الحضارة الغربية نفسها.
والمشروع الفلسفي عند دريدا مُوجَّه ضد الإنسانية وضد علاقة الدال بالمدلول، ولذا فهو يبحث عن لغة بلا أصل وبلا حدود نظامها الإشاري لا يشير إلى شيء، لغة متأيقنة تماماً لا يوجد فيها أثر للإله أو المعنى أو أية مرجعية، وقد وجد ضالته فيما أسماه أنطوان أرتو (1895 ـ 1946) «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على مجاورة أصوات لا دلالة لها إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية أو هكذا كان الظن. وفيما يلي مَثَلٌ من هذا الشعر اللفظي الأيقوني: «أوبيدانا/ ناكوميف/ تاوديدانا/تاوكوميف ـ ناسيدانو/ناكوميف/ تاركوميف/ناكومي»، وتنتهي القصيدة بأصوات أخرى! (ومن الأمور التي قد يكون لها بعض الدلالة أن أنطوان أرتو قد أُودع مصحة عقلية في مقتبل حياته).
وأسلوب دريدا أمر جديد كل الجدة في الخطاب الفلسفي الغربي، يتسم بكونه طنيناً وجعجة بلا طحن، وإن أخرج طنيناً فهو تقليد مألوف لا يختلف عما قاله السوفسطائيون من قديم الأزل ولا يخرج عن كونه تعبيراً طفولياً غير أنيق عن العدمية. وحتى نعطي القارئ فكرة عن هذا الطنين سنقتبس بعض ما قاله دريدا عن شعر أرتو اللفظي. ينوه دريدا بهذا «الشعر الرائع» لأنه «لا يمثل لغة محاكاتية ولا خلق أسماء. بل يقودنا إلى حواف اللحظة التي لم تُولَد فيها الكلمة بعد والتي لم يَعُد فيها التمفصل [الكلامي] هــو الصرخة، ولا يشكل الخطاب بعد، اللحظة التي يكون فيها التكرار أو الترديد، ومعه اللغة بعامة، مستحيلاً تقريباً: انفصال المفهوم والصوت، المدلول والدال، النقش والكتاب، حرية الترجمة والذات، حركة التأويل، اختلاف الروح والجسد، السيد والعبد، الإله والإنسان، المؤلف والممثل. إنه العشية السابقة لأصل اللغات». وكل هذا الصخب يعني أنها لغة آدم قبل أن يتعلم الأسماء كلها، أي لغة آدم قبل أن ينفخ فيه الإله من روحه، أي لغة آدم حين كان كائناً طبيعياً بلا أصل إلهي غير قادر على الحديث (فوعيه لم يظهر بعد) ولكنه قادر على الصراخ كالحيوان وإصدار أصوات أخرى مرتبطة بالاستجابات الحسية المختلفة.
ويمكن أن نشير مرة أخرى إلى أنطوان أرتو ولكن باعتباره مؤسس «مسرح القسـوة». وقـد كتب دريدا دراســة عنه في الكتابة والاختلاف، كما حرَّر بالاشـتراك (مع آخر) كتاباً عن رسوم أرتو (1986) وكتب مقدمته. ومسرح القسوة هو مسرح يحاول أن يقلد المسرح البدائي، سواء في الرؤية التي ينبع منها أو في شكله الفني، ويرى أرتو أن المسرح الحديث يتوجه إلى عقل الإنسان وإلى سمعه وبصره وحسب، وأنه يوجد فاصل حاد بين الفن والواقع وبين الممثلين والجمهور ويأخذ النص المسرحي شكل نص محدَّد له مؤلف محدَّد. بدلاً من ذلك، يرى أرتو ضرورة قيام مسرح يمكن أن نسميه (تبعاً لمصطلحنا) «متأيقن»، وهو مسرح يتوجه إلى كيان الإنسان كله. ولذا، لا توجد فيه فواصل بين الدال والمدلول والمسرح والواقع، وبإمكان الجمهور أن يشارك في المسرحية التي تتكون من ملابس ورقص وموسيقى ولا تشغل الكلمات فيهـا إلا حيزاً محدوداً، ويـضرب أرتو مثلاً على ذلك بمـسرح جزيـرة بالي.
يجد دريدا أن هذا سياق مناسب ليعبِّر عن إشكالية الأصول والمدلول المتجاوز فيقرر أن: «مسرح القسوة يطرد الإله من المسرح، فالمشهد المسرحي يظل لاهوتياً ما دام أنه هيمن عليه الكلام أو إرادة الكلام وما دام أنه هيمن عليه مخطط (لوجوس) لا يقيم في الموضع المسرحي إلا أنه يوجهه ويحكمه من بعيد. يظل المسرح لاهوتياً ما بقيت بنيته تحمل، بمقتضى التراث بأسره، العناصر التالية: مؤلف ـ خالق ـ غائب ـ بعيد ـ مسلح بنص ـ يراقب ويوحِّد ويقود زمن العرض (أو معناه) تاركاً إياه يمثله عبر ما يُدعَى محتوى أفكاره ومقاصده. يمثله عن طريق نواب، مخرجين وممثلين مفردين مُستبعَدين يمثلون شخصيات هي نفسها لا تقوم سوى بتمثيل فكرة الخالق.. عبيد يؤدون (ينفذون بوفاء) مخططات «السيد» الإلهية. ولذا، كي يتحرر المسرح، عليه أن ينفصل عن النص وعن الكلام الخالص وعن الأدب. وبتحرُّره من النص ومن الإله/المؤلف، يُعاد الإخراج المسرحي إلى حريته الخلاقة والمؤسسة».
وما يفعله دريدا هنا هو أنه يغمر القارئ بفيض من الكلمات ليخلق حالة من السيولة، يمرر معها بعض الافتراضات التي لا يمكن قبولها إلا إذا كان القارئ في حالة غيبوبة نابعة من السيولة والتدفق. فدريدا يقول مثلاً: «إن المسرح يهيمن عليه الكلام»، وهذا طبعاً غير دقيق، فأي طالب يدرس فن المسرح يعرف أن النص المسرحي المكتوب غير الأداء الذي يتضمن عناصر أخرى غير النص المكتوب. كما أن المؤلف قد يكون مجازياً في علاقته بالنص مثل الإله في علاقته بالعالم، ولكن الصورة المجازية لها حدود لأن الممثلين حينما يمثلون النص يعرفون أنه مجرد تمثيل، فالواقع يوجد خارجهم، وهم ليسوا عبيداً يؤدون مخططات «السيد» الإلهية. وإن تحرَّر المسرح من النص تماماً، فلن تعود للإخراج المسرحي حركته، إذ أنه (كما يقول دريدا) لن تكون هناك حاجة إلى إخراج مسرحي، أي أن مشروع أرتو يؤدي إلى نفي المسرح (وبالفعل، عبَّر هو عن نفسه عدة مرات عن كراهيته للمسرح وللتمثيل)، فكأن ما يسعى إليه هو إسقاط الحدود، أي حدود، وهو يعلم تماماً أن إسقاط الحدود، هو ذوبان الهوية وهو السيولة الرحمية. وفي الواقع، إذا كان هناك إله/مؤلف في نصٍّ ما، فهو نص مسرحية جزر بالي هذه، فالمسرح هناك جزء من الشعائر الدينية التي تُؤدَّى، ولذا لا توجد مسرحيات وإنما مسرحية/صلاة، وهي إن كانت لا تحتاج إلى مخرج فلأن الجميع يعرف دوره في هذه المسرحية الدينية. إن كل ما يفعله دريدا هو أن يحوِّل أرتو إلى تكأة يُصدِّر من خلالها ماديته السائلة الجديدة. يقول دريدا: «الجسد بالنسبة لأرتو قد سُرق منه، سرقه الآخر: النص الواحد العظيم المتسلل، واسمه «الإله»، مكانه هو فتحة صغيرة ـ فتحة الميلاد والتبرز ـ وهي الفتحة التي تشير إليها كل الفتحات الأخرى، وكأنها تشير إلى أصلها». وفي لغة غنوصية واضحة يقول: « إن تاريخ الإله الصانع هو تاريخ الجسد الذي طارد جسدي الذي وُلد وأسقط نفسه على جسدي ووُلد من خلال تمزيق جسدي واحتفظ بقطعة منه حتى يتظاهر أنه أنا. فالإله هو، إذن، عَلَم على ما يحرمنا من طبيعتنا، من ميلادنا، ولذا فهو (دائماً) يكون قد تحدَّث قبلنا بمكر».

|