جــــاك دريـــدا (1930- )Jacques Derridaفيلسوف فرنسي، يهودي من أصل سفاردي، تُعَدُّ منظومته الفلسفية (إن صحت تسميتها كذلك) قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديـدة واللاعقلانية المادية. وهو أهم فلاسـفة التفكيكية وما بعد الحداثـة. وُلد باسم جاكي في بلدة البيار (قرب الجزائر العاصمة)، وترك الجزائر عام 1949 لأداء الخدمة العسكرية ولم يَعُد لها قط بعد ذلك (وهو يدَّعي في تصريحاته الصحفية أنه ترك الجزائر لأنه كان قد سئم الحياة في الجيب الاستيطاني). كان دريدا قد عقد العزم أن يصبح لاعباً محترفاً في كرة القدم، لكنه لم يكمل مشروعه هذا. وكتب شيئاً من الشـعر في صـباه. ومع أنه فشـل في امتحان البكالوريا في صيف 1947، إلا أنه أكمل دراسته الجامعية في السوربون وهارفارد. وقد اشترك في مظاهرات الطلبة عام 1967 ضد ديجول. وصدر كتابه الأول أصل الهندسة (عام 1962) وهو عن هوسرل، ولكن أول كتبه المهمة هو الكتابة والاختلاف (1967). ويُقسِّم دريدا وقته بين باريس حيث يُدرِّس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (E. H. E. S. S.) والولايات المتحدة حيث يُدرِّس في جامعة ييل. خرج دريدا من تحت عباءة نيتشه (الذي مات بمرض سري)، وتأثر في الخمسينيات بوجودية سارتر وهايدجر (وتفكيكيته)، وببنيوية ليفي شـتراوس في السـتينيات. كما تأثر بهيجلية جان هيبـوليت، وبفرويدية جاك لاكان، وبالمفكر الديني اليهودي الفرنسي إيمانويل ليفيناس. تعرَّف دريدا إلى مُستوطن فرنسي آخر في الجزائر هو لويس ألتوسير (في دار المعلمين العليا) الذي كان له أكبر الأثر في دريدا. وألتوسير هو الفيلسوف الذي حاول أن «يُطهِّر» المنظومة الماركسية من أية آثار إنسانية غير مادية لتصبح علماً كاملاً يُسقط الذات الإنسانية وكل بقايا الميتافيزيقا (وقد قتل ألتوسير زوجته عام 1980 بأن خنقها ووُضع في مستشفى للأمراض العقلية للمجانين الخطرين). كما تَعرَّف دريدا كذلك إلى ميشيل فوكوه، أهم استمرار لفلسفة القوة النيتشوية وأحد كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة (وفوكوه شاذ جنسياً، سادي مازوكي، حاول الانتحار عدة مرات ومات بالأيدز عام 1981). قامت أخت دريدا (حسب روايته) بحبسه وهو صبي في صندوق خشـبي كبير على سـطح المنزل حيث مكـث هناك (حسـب قوله) «الدهر كله». وأثناء ذلك، تصوَّر أنه مات وذهب إلى عالم آخر. ثم أحس بأنه تم خصيه وأنه الإله أوزوريس الذي كان يُقتَل ويُمزَّق إرباً ثم يُعاد جَمْع أعضاء من جسمه (باستثناء قضيبه) (التبعثر والتشتت ومفردات الحلولية الواحدية اليهودية). ومن الواضح أن دريدا مهتم، منذ أن بدأ ينشر أعماله، بمشاكل الأصل والبنية والثنائيات وكيف تُختَم الأعمال وعلاقة كل هذه الأمور بالتاريخ والحقيقة والموضوعية العلمية والمعنى. وكان اهتمامه الأكبر هو نفي الميتافيزيقا باعتبارها شكلاً من أشكال الثبات لأن مثل هذا الثبات (من ثم) يشير إلى مفهوم الطبيعة البشرية، وهذا بدوره يشير إلى أصل الإنسان غير المادي (أي أصله الإلهي) الأمر الذي يؤدي إلى التجاوز وظهور المعنى (تيلوس) وأخيراً المطلق (لوجوس). وكان دريدا يرى أن الحل الوحيد لهذا الوضع هو أن يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة، بحيث لا يبقى أي أثر لأي ثبات أو تجاوز أو معنى ويهتز كل شيء ومن ضمن ذلك الإحساس بالعدم نفسه. ألقى دريدا بحثاً في مؤتمر عُقد في جامعة جونز هوبكنز عام 1966 لتوضيح الفلسفة البنيوية للجمهور الأمريكي. والمؤتمر هو نقطة ميلاد التفكيكية وما بعد الحداثة (وقد ظهر في العام نفسه كتاب سوران سونتاج ضد التفسير، أي أن التفكيك قد بدأ يتحول إلى ظاهرة عامة في الفكر الفلسفي الغربي). وقد بيَّن دريدا أن البنيوية إن هي إلا حلقة في سلسلة طويلة من بنيويات مختلفة مستعدة لأن ترد ذاتها إلى نقطة حضور واحدة أو مركز أو أصل ثابت، لكن هدف هذا المركز ليس تحديد اتجاه البنية أو توازنها أو تنظيمها وإنما الهدف منه وضع حدود للعب البنية. فمركز البنية «يسمح بلعب عناصرها الأساسية، ولكن داخل الشكل الكلي الثابت الذي له مركز وله معنى، فهو لعب يصل إلى نقطة نهائية عند مدلول متجاوز». ويقول دريدا: «وحتى اليوم، يُلاحَظ أن مفهوم بنية ليس لها أي مركز (أو أصل) هو أمر لا يمكن حتى التفكير فيه». ودريدا كعادته لا يقول الصدق، فما يفعله هو أنه يأخـذ جزءاً من الحقيقة ثم يضخمه ويجعل من هذا الجزء الحقيقة كلها. والحقيقة أن عالم السفسطائيين (الذين سبقوا دريدا بأكثر من ألفي سـنة) هو عالم بلا مركز، عالم من الصيرورة الكاملة وعدم التواصل، وكذلك عالم القبَّالاه اللوريانية. وكثير من الحركات المشيحانية الشيوعية الحلولية فهي الأخرى تدور جميعاً في إطار عالم سائل تماماً لا مركز له. كما أن الإنجاز الفلسفي الأساسي لنيتشه هو أنه نبَّه الإنسان الغربي إلى أن اختفاء المركز حتمية فلسفية بعد موت الإله (أي في إطار الفلسفة المادية). ومع هذا، يمكن القول بأن دريدا أول من جعل برنامجه الفلسفي يدور حول هذه الفكرة بشكل منهجي صارم. يرى دريدا أن ثمة بحثاً دائباً عند الإنسان عن أرض ثابتة يقف عليها خارج لعب الدوال الذي لا يمكن أن يتوقف إلا من خلال المدلول المتجاوز الرباني (الذي هو أيضاً «ميتافيزيقا الحضور» و«اللوجوس» و«الأصل»). وتاريخ الفلسفة الغربية هو البحث عن الأصل، سواء أكان دينياً أم مادياً، لنصل إلى قصة كبرى متمركزة حول اللوجوس وحول المنطوق، أي أن الفلسفة الغربية تتعامل دائماً مع الواقع من خلال نسق مغلق. بل إنه يرى أنه، في أكثر الفلسفات الغربية مادية ونسبية، يظل هناك إيمان ما بالكل المادي المتجاوز ذي المعنى (الحضور)، واستناداً إلى هذا الحضور يتم تأسيس منظومات معرفية وأخلاقية وجمالية تتسم بشيء من الثبات وتفلت من قبضة الصيرورة، أي أن الخطاب الفلسفي الغربي ظل ملوثاً بالميتافيزيقا ما دام يصر على البحث عن المعنى وعن الثبات. وقد قرَّر دريدا أن «يفكر في الأمر الذي لا يمكن التفكير فيه» وهو أن ينطلق، كفيلسوف، من الإيمان بعدم وجود أصل من أي نوع، ومن ثم يسقط كل شيء بشكل كامل في هوة الصيرورة (أبوريا) وتتم التسوية بين كل الأشياء من خلال مفاهيم مثل الاخترجلاف (الاختلاف/الإرجاء). وسيُلاحظ القارئ أن دريدا (ودعاة ما بعد الحداثة) يستخدمون مصطلحات كثيرة تبدو جديدة. فهناك مصطلح مثل «القصة الكبرى» (أي النظرية العامة) و«القصص الصغرى» و«التمركز حول اللوجوس» و«التمركز حول المنطوق» و«الأبوريا» و«الاخترجلاف». وهي مصطلحات تدَّعي أنها جديدة وهي أبعد ما تكون عن الجدة، فهي تعبِّر عن أفكار ومفاهيم عدمية. فقد يكون المنطوق نفسه جديداً، ولكن المفهوم وراء المصطلح قديم قدم الفلسفة اليونانية القديمة والكتب العدمية مثل سفر الجامعة في العهد القديم (انظر المداخل الخاصة بكل مصطلح في هذا القسم). | |