الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













مــارتن بوبــر (1878-1965)

Martin Buber

مفكر ألماني يهودي حلولي، متطرف في حلوليته وجودي النزعة، كان لا يؤمن باليهودية الحاخامية أو بضرورة تطبيق الشريعة، ولم يقرأ التلمود على الإطلاق. ومع هذا، فإنه يُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود في القرن العشرين. وهو من دعاة التصوف اليهودي. ويُعتبر بوبر أحد كبار مفسري العهد القديم، وأحد أهم مفكري الصهيونية ذات الديباجات الثقافية.

وُلد في فيينا، وأمضى صباه في جاليشيا عند جده حيث اتصل بالحركة الحسيدية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوره الديني (الصوفي) والفلسفي والسياسي. وانتقل إلى فيينا عام 1896 لمتابعة دراسته في جامعتها، وتزوج بولا ونكلر (وهي فتاة ألمانية غير يهودية من ميونيخ). انضم بوبر إلى جماعة قديما الصهيونية في فيينا، ثم انضم إلى المنظمة الصهيونية عند تأسيسها عام 1898 وعمل رئيساً لتحرير جريدة دي فيلت الناطقة بلسان الحركة الصهوينة. وبعد فترة قصيرة من التعـاون مع هرتزل، اختلف الاثنان بسـبب اختلاف منطلقـاتهما الفلسفية. واشترك في تأسيس ما يُسمَّى «العصبة الديموقراطية» مع وايزمان الذي عارض هرتزل خلال المؤتمر الصهيوني الخامس (1901). ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسس بوبر اللجنة القومية اليهودية التي تعاونت مع قوات الاحتلال الألمانية في بولندا، وقامت بالدعاية بين يهود اليديشية لضمهم للجانب الألماني ولتجنيدهم لحسابه. وفي عام 1916، أسس مجلة اليهودي التي كانت تُعَدُّ من أهم المجلات الفكرية اليهودية، والتي شرح بوبر على صفحاتها فلسفة الحوار الحلولية الوجودية وموقفه الصهيوني. وقد اشترك بوبر مع الفيلسوف اليهودي فرانز روزنزفايج في ترجمة التوراة إلى الألمانية في العشرينيات (ولكنه لم يَفرُغ منها إلا عام 1964) وهي ترجمة ذات طابع وجودي. وقد نشر خلال هذه الفترة بضعة كتب عن الحسيدية.

شغل بوبر منصب أستاذ فلسفة الدين اليهودي والأخلاق في جامعة فرانكفورت في الفترة 24 ـ 1933، وأسس معهد الدراسات اليهودية فيها. وقد صَدَر له عام 1923 أهم كتبه أنا وأنت الذي يحوي جوهر فلسفته الحوارية. وفي عام 1933، استولى النازيون على الحكم وصاغوا مفهوم الشعب العضوي (فولك)، ذلك المفهوم الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر النازي والصهيوني، وهو ما كان يعني تأسيس نظام تعليمي لليهود مستقل عن النظام التعليمي الألماني. وقد عُيِّن بوبر مديراً للمكتب المركزي لتعليم الكبار. أما هجرته إلى فلسطين، فقد كانت عام 1938 حيث جرت محاولة لتعيينه أستاذاً للدراسات الدينية. ولكن المؤسسة الأرثوذكسية عارضت ذلك بشدة لأن بوبر، حسب تعريفها، لا يؤمن باليهودية، ومن ثم تم تعيينه أستاذاً للدراسات الاجتماعية في الجامعة حيث شغل المنصب حتى عام 1951. صدر أول كتب بوبر بالعبرية، وهو العقيدة النبوية، عام 1942، وقد طرح بوبر في هذا الكتاب أن وجود الإرادة الإلهية حقيقي تماماً مثل وجود يسرائيل، وهو ما يعني المساواة بين الخالق (الإله) والمخلوق (الشعب). كما صدر له كتاب موسى عام 1941. أما عام 1949، فقد شهد نشر كتابه طرق اليوتوبيا، وهو كتاب عن تطوُّر الاشتراكية الطوباوية. وتبع ذلك نشر كتابيه نوعان من الإيمان (1951)، و خوف الإله (1953)، ويقارن الكتاب الأول بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي. أما الثاني، وهو آخر أعمال بوبر المهمة، فيذهب فيه إلى أن الإله لم يمت أو أنه احتجب وحسب!

أسَّس بوبر كلية لتعليم الكبار لإعداد المعلمين من بين المهاجرين، وهي جزء من محاولة المُستوطَن الصهيوني دمج المهاجرين الجدد، وخصوصاً من البلاد الإسلامية، في نسيج المستوطن الصهيوني. وكان بوبر أول رئيس لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية في إسرائيل.

وقد أسس بوبر مع يهودا ماجنيس جماعة إيحود التي كانت تطالب بإقامة دولة صهيونية مزدوجة القومية. لكنه تعرَّض لانتقاد شديد في بعض الأوساط اليهودية لقبوله تسلم جائزة جوته من مدينة هامبورج ولاستئناف علاقته بالحياة الفكرية والثقافية الألمانية (مع العلم أن هذا الموقف لا يتناقض البتة مع منطلقاته الفكرية). وقد منحه مجلس ناشري الكتب في ألمانيا جائزة السلام عام 1953 واستقبله رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية باعتباره واحداً من مفكري ألمانيا وفلاسفتها العائدين إلى وطنهم!

ومصادر الفكر الديني والفلسفي السياسي عند بوبر ألمانية (مسيحية علمانية). فقد تأثر بالمتصوفين المسيحيين الألمان مايستر إيكهارت وجيكوب بيمه Jacob Boehme، كما تأثر برؤية وحدة الوجود التي طرحاها وبإيمانهما الكامل بأن الإنسان يمكنه أن يعود إلى التوازن من خلال الحدس والاستماع لصوت التجربة الداخلية والتوحد بالخالق. وقد تأثر كذلك بالفكر الرومانسي الألماني، وخصوصاً فكر فخته الذي أكد الحدس على حساب التأمل وميَّز بين الجماعة المترابطة بشكل عضوي (جماينشافت) والجماعة المترابطة بشكل آلي (جيسيلشافت)، وأعلى من أهمية الشعب العضوي (فولك). ويُعَدُّ نيتشه من أهم المفكرين الألمان الذين أثروا في بوبر، شأنه في هذا شأن معظم المفكرين اليهود والصهاينة في ذلك الوقت، فتعلَّم من نيتشه فكرة الإرادة المستقلة عن أي حدود وظروف، والإيمان بأهمية الفعل الغريزي المباشر مقابل التأمل والتدبير، والالتزام بالمتعيِّن والمحسوس على حساب المجرد، وتأكيد الحياة والغريزة في مواجهة القيم التقليدية والمثاليات المجردة التي تخنق الحياة والغريزة.

وقد عمَّق جوستاف لانداور (1869 ـ 1919) تأثير فخته وفكرة الشعب العضوي والجماعة العضوية وربطهما بالفكر الاشتراكي أو الجماعية بل بالاتجاهات الصوفية الحلولية، وبهذا يكون لانداور قد ربط بين كل المكونات في النسق الفكري عند بوبر. وإلى جانب المصادر الألمانية، تأثَّر بوبر، شأنه شأن كثير من المفكرين الغربيين الوجوديين، بدوستويفسكي، وخصوصاً في إحساسه بغربة الإنسان في عالم خال من المعنى. كما تأثَّر بكيركجارد، الأب الروحي للوجودية الحديثة، الذي أكد أن العلاقة الحقة بين الإله والإنسان لابد أن تكون مباشرة ودون وسطاء، وطالب الإنسان بأن يصبح شخصاً واحداً كلياً فريداً.

ويُلاحَظ أن المصادر الفكرية (الدينية والفلسفية) عند بوبر معظمها غير يهودية. لقد ظل بوبر، طيلة حياته، يجد الدراسات التلمودية جافة وعقيمة. وقد اكتشف الحسيدية باعتبارها تجربة صوفية وتعبيراً عن الصوت الداخلي من خلال مصادره الألمانية المسيحية الصوفية. وفكر بوبر الديني والسياسي فكر حلولي متطرف تتلاقى فيه وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية، فيصبح الإله والإنسان والطبيعة كلاًّ عضوياً واحداً. وتتجلى هذه الرؤية الحلولية في فلسفة الحوار التي تشكل أساس الفكرة الدينية في فكرة الشعب العضوي (فولك) التي تشمل أساس فكره السياسي والاجتماعي، ففكره السياسي هو نفسه فكره الديني، وفكره الديني هو نفسه فكره السياسي، وهذا أمر متوقع داخل منظومة فكرية لا تفرق بين الإله والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة، أو بين هذا العالم والعالم الآخر، أو بين التاريخ والوحي، أو بين القومية والدين.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثالث من المجلد الخامس