الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الحركــة الفرانكــية

Frankist Movement

الحركة الفرانكية نسبة إلى جيكوب فرانك، التي تعود نشأتها إلى عام 1759 حين تَنصَّر فرانك هو ومجموعة من أتباعه على الطريقة المارانية، أي أظهروا المسيحية وأبطنوا عقيدتهم الغنوصية. ويمكن القول بأن منظومة فرانك الحلولية هي منظومة يصل الحلول فيها إلى منتهاه إذ يحل الإله في المادة ويموت وتصبح وحدة وجود مادية كاملة، المادة فيها مقدَّسة تماماً، والإنسان فيها إله، ومن ثم فهي أيضاً النقطة التي تَسقُط فيها كل الحدود ويتساوى فيها المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّـس والمُحـرَّم والمُـباح وتنقلب القيم رأساً على عقب ويتسـاوى الخـير والشر والوجـود والعـدم، ولـذا فـإن منظومـة فرانك أكثر حداثة وجذرية من منظومة نيتشه على سبيل المثال.

ويتحدد إسهام فرانك في أنه خلَّص القبَّالاه من رموزها الكونية المترابطة المركبة، ووضعها في مصطلح شعبي مزخرف، وفي إطار أسطوري، بل طَعَّمها بصور مسيحية مألوفة لدى يهود شرق أوربا الذين اختلطوا بالفلاحين السلاف في الريف، وابتعدوا عن مراكز الدراسة التلمودية في المدن. وقد تأثر الفرانكيون بالفرق الأرثوذكسية الروسية المنشقة، وخصوصاً الدوخوبور والخليستي.

وتدور العقيدة الفرانكية حول ثالوث جديد يتكون مما يلي:

1 ـ  الإله الخيِّر أو الأب الطيب. وهو إله خفي يختبئ وراء ثاني أعضاء الثالوث، ولا علاقة له بعملية الخلق أو المخلوقات، فهو لم يخلق الكون (فلو أنه خلق الكون لأصبح هذا الكون خالداً وخيِّراً، ولكانت حياة الإنسان أبدية). وهو مقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية.

2 ـ  الأخ الأعظم أو الأكبر، ويُسمَّى أيضاً «هذا الذي يقف أمام الإله». وهو الإله الحقيقي للعقيدة الذي يحاول العبد التقرب منه، ومن خلال الاقتراب منه يستطيع العابد أن يحطم هيمنة حكام العالم الثلاثة (قيصر روسيا، والسلطان العثماني، وحاكم إحدى القوى العظمى الأخرى ولعلها النمسا أو ألمانيا) الذين يهيمنون على العالم ويفرضون عليه شريعة غير ملائمة. والأخ الأعظم (المقابل للتفئيريت أو الابن، ولبعض التجليات الأخرى) مرتبط بالشخيناه التي هي الأم التي يُقال لها «علماه».

3 ـ  الأم «علماه»، أو العذراء «بتولاه»، أو «هي». وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم. والواقع أن صورة الأنثى في الثالوث الفرانكي جعلت العنصر الجنسي الكامن في القبَّالاه اللوريانية أو في الحركة الشبتانية عنصراً أكثر وضوحاً. وقد استخلص الفرانكيون أن التجربة الدينية الحقة لابد أن تأخذ شكل ممارسة جنسية. ولن يصل العالم إلى الخلاص إلا باكتمال الثالوث الجديد السابق.

وهذا الثالوث أقرب إلى شخصيات المنظومة الغنوصية (الإله الخفي أو الديوس أبيسكونديتوس، والمخلص أو الكريستوس، وصوفيا أو الحكمة). وشبتاي تسفي نفسه، حسب التصور الفرانكي، ليس إلا أحد تجليات الإله، فهو تجسيد جديد للأخ الأعظم، ولكنه تملَّكه الضعف وهو بعد في منتصف الطريق، فلم يستطع تحقيق أي شيء. ووصولاً إلى الخلاص، لابد أن يظهر ماشيَّح جديد يكمل الطريق، ولابد أيضاً أن تظهر العذراء (تجسيد العنصر الأنثوي). وحتى يتحقق الخلاص، ينبغي أن يسير المؤمن بالعقيدة الفرانكية في طريق جديد تماماً، لم يطرقه أحد من قبل، وهو طريق عيسو (أدوم) الذي يُشار إليه في الأجاداه بلفظ «أدوم» ويُستخدَم اللفظ نفسه للإشارة إلى «روما»، أي القوى الكاثوليكية. فعيسو رمز تَدفُّق الحياة الذي سيحرر الإنسان والحياة فهو قوة لا تخضع لأي قانون فهي حالة سيولة كونية ورحمية.

وقد جاء في التوراة أن يعقوب قال إنه سيزور أخاه (تكوين 33/14) ولكنه لم يفعل لأن الطريق كان صعباً عليه. وقد حان الوقت لأن يسير الماشيَّح في ذلك الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الحقة التي تحمل كل معاني الحرية والإباحية (ولنلاحظ هذا الارتباط بين حالة السيولة الرحمية والإباحية الجنسية وهو أمر متكرر في الأنماط الحلولية). فالطريق الجديد يؤدي إلى عالم لا توجد فيه قوانين ولا حدود، عالم تم فيه التجرد من كل الشرائع والقوانين والأديان، لكنه عالم ليس فيه حدود (الحد بمعنى «الحاجز الذي يفصل بين شيئين» وبمعنى «عقوبة مُقدَّرة وجبت على الجاني» وبمعنى «حدود الشخصية» أي هويتها)، وتصبح العدمية والتخريب هما طريق الخلاص. إن هذا العالم الشرير لم يخلقه الإله الخفي، وهو مادة دنيئة تقف في وجه وصول الإنسان إلى الأخ الأعظم (ويُلاحَظ هنا الأثر العميق للغنوصية). وحتى يتم إنجاز هذا الهدف، لابد أن تُحطَّم كل القوانين والتعاليم والممارسات التي تعوق تدفُّق الحياة: «لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. إن مهمتي هي إزالة كل شيء حتى يستطيع الإله أن يكشف عن نفسه ». ثم تظهر العدمية الدينية بشكل أوضح في الحديث عن الطريق إلى الحياة الجديدة، فهو طريق جديد تماماً، وكما يقول فرانك: « أينما كان يخطو آدم، كانت تنشأ مدينة. لكن أينما أضع أنا قدمي، يجب أن يُدمَّر كل شيء، فقد أتيت إلى هذا العالم لأُدمِّر وأبيد».

والطريق الجديد طريق غير مرئي، لا يكون إلا في الخفاء. ولذا، فإنه يتعين على المؤمنين أن يرتدوا رداء عيسو (أي المسيحية)، فعليهم أن يتظاهروا بالتنصر (والواقع أن التظاهر بدين واعتناق دين آخر من أهم ممارسات جماعة الدوخوبور من المسيحيين الروس المنشقين). وقد عبر المؤمنون إلى الأمة اليهودية والإسلام (الإشارة إلى شبتاي تسفي) ولم يبق سوى المسيحية. والمؤمن الحق يختبئ تحت « عبء الصمت » يحمل الإله في قلبه الصامت فيعتنق الديانات الواحدة تلو الأخرى ويمارس شعائرها. لكن التغلب على الأديان الأخرى وتدميرها يتطلب من الفرد أن يكون صامتاً تماماً ومخادعاً: « فالإنسان الذي يرغب في غزو حصن لا يفعل ذلك بالكلام والإعلان، بل يتسلل إليه في صمت وسكون، لقد تحدَّث الأجداد كثيراً، لكنهم لم يفعلوا شيئاً. لذلك يجب الآن تَحمُّل الصمت. وحينئذ، لن يكون الفرد في حاجة إلى الدين» (ويتضح هنا أثر يهود المارانو المتخفين). وحينما يمارس المؤمن طقوس الديانات الأخرى دون أن يتقبل أياً منها، بل يحاول أن يحطمها من الداخل، فهو يؤسس الحرية الحقة. فالواقع أن الديانة المنظمة على أساس مؤسسي التي يعتنقها اليهودي المتخفي ليست سوى عباءة يرتديها المرء كرداء يلقي به (فيما بعد) في طريقه إلى المعرفة المقدَّسة، وهي المعرفة الغنوصية بالمكان الذي تُحطَّم فيه كل القيم التقليدية في تيار الحياة، طريق غير مرتبط بأي قانون وإنما مرتبط بإرادة فرانك وحده. وإذا كان الإفصاح عن الإيمان بالمسيحية ضرورياً، فإن الاختلاط بالمسيحيين وكذلك الزواج منهم محظور.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الخامس