الجنس
Sex
«جنس» بالعبرية «مين» ترى اليهودية الحاخامية أن الجنس غريزة إنسانية طبيعية، وأن على الإنسان أن يشبعها من خلال العلاقات الزوجية. ويكرس التلمود أجزاء كبيرة لتناول هذا الموضوع، كما يشجع الزواج المبكر للحفاظ على الفضيلة. ويُحرَّم على الزوج أن يجامع زوجته أثناء فترة العادة الشهرية، ولمدة اثنى عشر يوماً بعدها (فترة الحيض أو الدنس «نيداه»). ونظراً لطول المدة، فقد كان الزوجان ينامان عادةً في فراشين مختلفين. وكان على الزوجة أن تأخذ حماماً طقوسياً بعد انتهاء فترة الحظر. وتُحرِّم اليهودية الزنى والدعارة والشذوذ الجنسي بين الرجـال (أما بين النسـاء، فإن هـذا الأمر ليـس محرَّماً بقدر ما هو مكروه). ولا تُحرِّم اليهـودية تعـدُّد الزوجات وإن كان الحاخامـات قد حرَّموه. ولا يعتبر التلمود الزنى بامرأة من الأغيار، متزوجة أو غير متزوجة، محرماً. أما التحريم، في العهد القديم، فيقتصر على «زوجة أخيك» لا زوجة الغريب. وفي إحدى الفتاوى، جاء أن إناث الأغيار «زوناه» وجمعها «زونوت» أي «عاهرات» حتى لو تهودن. ولكن هناك فتاوى أخرى تُحرِّم الزنى كليةً باليهوديات أو بنساء الأغيار.
ومع هذا، تسلك بعض شخصيات العهد القديم سلوكاً منافياً تماماً للقيم الدينية اليهودية نفسها (اعتداء أحد أبناء يعقوب على جارية أبيه ـ العلاقة بين يهودا وثامار زوجة ابنه ـ داود وامرأة أوريا الحيثي ـ إبراهيم وزوجته في مصر). وكان على الحاخامات تفسير ذلك، والتوفيق بينه وبين الرؤية الدينية العامة. وفي العهد القديم تتواتر صور مجازية جنسية، وخصوصاً في سفر هوشع ونشيد الأنشاد، ولكن هذه الصور المجازية تُفسَّر بأنها من قبيل المجاز، كما هو الحال في الشعر الصوفي. وفي فترة الهيكل الثاني أخذ تمثالا الملاكين (كروب) اللذان كانا على تابوت العهد، حسب بعض الآراء، شكل ذكر وأنثى في وضع عناق جنسي. وكان التابوت يُحمل في أعياد الحج، فيقول الحاخامات للجماهير: «هكذا يحب الإله جماعة يسرائيل» (ومن المعروف أن تشبيه علاقـة الإله بالإنسـان بعـلاقة الذكر بالأنثى أمر شائع في العقائد الحلولية). وقد ظـل موقـف العهـد القديم غامضاً للغـاية إزاء مشكلة البغاء. وهو غموض استمر إلى أن استقرت دعائم اليهودية الحاخامية.
وكما تقدَّم، أخذت اليهودية الحاخامية موقفاً متشدداً من الإباحية الجنسية. وقد بيَّن موسى بن ميمون، متبعاً أرسطو، أن حاسة اللمس أدنى الحواس باعتبارها الحاسة المرتبطة بالجنس. وقد نجح هذا الإطار الحاخامي التلمودي في أن يضرب عزلة حول اليهود، وأن يضبط سلوكهم الجنسي، وخصوصاً أنه كان من المحرَّم عليهم الاختلاط بأعضاء المجتمع الخارجي. وقد كانت المؤسسة الحاخامية، في تلك الآونة، شديدة القوة إذ أن المؤسسة الحاكمة كانت تعطيها من الصلاحيات ما يسمح لها بالتحكم في أعضاء الجماعة اليهودية. والواقع أن عملية الضبط الاجتماعي للجماعات الإنسانية الصغيرة تكون في العـادة أكثر نجـاحاً من عمليات الضـبط في المدن والتجمعات الكبيرة. ولذا، يمكن النظر إلى حوائط الجيتو باعتبارها أيضاً سياجاً أخلاقياً للجماعات اليهودية حتى عصر الإعتاق.
ومن المعروف، حسب الإحصاءات المتوافرة لدينا، أن نسبة الأطفال غير الشرعيين (وهو مؤشر جيد على السلوك الجنسي) بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أقل من النسبة على المستوى القومي، ويبدو أن السلوك اليهود الجنسي كان يميل نحو المحافظة.
ومع هذا، فإن ثمة استثناءات من هذه الصورة العامة، ففي إسبانيا المسيحية يُلاحَظ أن سلوك أعضاء الطبقة الأرستقراطية اليهودية كان يتسم بالانحلال الجنسي (ولعل هذا يعود إلى الثراء، وإلى عدم وجود أسوار الجيتو). وفي الجو الإباحي لعصر النهضة الإيطالية نجد الظاهرة نفسها. فكثير من الفتيات اليهوديات اشتغلن بالبغاء بعد الانغماس في الجنس. ومن أهم المؤشرات على مدى الإباحية المنتشرة بين أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك، تلك الإحصاءات التي يوردها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي والتي تقول إنه كان في فلورنسا في القرن الخامس عشر نحو مائة أسرة يهودية وحسب، ومع ذلك فقد رُفعت ضدها ثمان وثمانون قضية منها أربع وثلاثون مرتبطة بقضايا الآداب والأخلاق وسبع عشرة قضية مرتبطة بالقمار. ويضيف باتاي أن القضايا لم تكن تُرفَع إلا في حالات قليلة، الأمر الذي يدل على أن حالات الزنى والقمار كانت أعلى من ذلك كثيراً داخل جماعة لا تزيد على مائة أسرة. ولكن حالة إيطاليا كانت الاستثناء، فأغلبية يهود العالم كانوا مُقسَّمين بين الدولة العثمانية وشرق أوربا.
ولكن، داخل سياج الجيتو نفسها، ظهر الفكر القبَّالي الحلولي الذي طوَّر كثيراً من الأفكار والصور المجازية الجنسية الجنينية في العهد القديم ومنحها قدراً من المركزية. وأصبحت الصورة المجازية الجنسية (أي تشبيه تماسك أجزاء الكون بالتشابك الجنسي) صورة مجازية أساسية لا يمكن إدراك العالم بدونها. ويدور التراث القبَّالي حول أسطورة الخلق: خلق الإله، وخلق الإنسان. فالإله يخلق نفسه (في قبَّالاة الزوهار) من خلال التجليات النورانية العشرة، أما في القبَّالاه اللوريانية فإن الإله يخلق نفسه من خلال الانكماش ثم الانتشار والتبعثر. والذات الإلهـية، في القبَّالاه، تحـوي داخلها عناصر تذكير وعناصر تأنيث، فالحوخمه أو الأب العلوي (العلة الذكرية الأولى) تُدخل علاقة جنسية مع البيناه أو الأم العلوية (العلة الأنثوية الأولى)، وهما يقابلان أبا وأما في القبَّالاه اللوريانية، فينجبان في قبَّالاة الزوهار الابن (عريس يسرائيل) والابنة (جماعة يسرائيل)، ولهما أيضاً ما يقابلهما في القبَّالاه اللوريانية. وكان من الممكن أن يتم خلق الإله وتُنجَز وحدة العالم حينما يتحد الابن والابنة، أي الإله مع يسرائيل، وهو اتحاد يُنظَر إليه من خلال صورة مجازية جنسية.
وتظهر المقولة الجنسية في تصوُّر أن اليسود (أساس العالم) هو نفسه التساديك اليهودي (الرجل التقي) وهو أيضاً القضيب الإلهي الذي تمر منه الرحمة الإلهية حتى تصل إلى الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) التي تأخذ شكل عضو التأنيث، فهي كالوعاء السلبي الذي يتلقى ولا يعطي، فالشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل. وبذا يتم التوحد بين الإله والشعب. وتشير كلمة «يحود» العبرية إلى الوحدة وأيضاً إلى الجماع الجنسي في النصوص القانونية. ويُطلَق على هذا التوحد أيضاً اسم «هازيفوُّج هاقادوش» أي «الزواج المقدَّس». وحينما صعد موسى إلى جبل سيناء كان مثل ابن الإله الذي ضاجع الشخيناه، والهيكل هو مخدع الشخيناه الذي يحل فيه الإله ليضاجعها، ولذا فحينما هُدم الهيكل توقَّف اليحود أو التوحد/الجماع بينهما.
وقد أثرت الصورة المجازية الجنسية في البناء الديني اليهودي، فاختيار الإله للشعب يصبح مثل اختيار الذكر للأنثى، كما أن العذاب الذي يلقاه اليهود بسبب اختيارهم هو مثل تعذيب الذكر للأنثى، ولذا فإنه يصبح مصدراً للذة. ويُشار إلى الشعب، باعتباره التعبير الأنثوي عن الإله، على أنه بنـت صهيون (وليس ابن صهـيون)، وهـو أيضاً التوراة، عروس الإله التي تجلس إلى جواره على العرش والتي تُزَف إلى الماشيَّح حينما يأتي إلى هذا العالم. ونشيد الأنشاد هو نشيد زفاف الشعب (الأنثى) إلى الإله (الذكر)
|