|
لكن ثمة جانباً آخر لتزايد النزعة الحلولية، وهو أنها تنتهي بانفجار مشيحاني يتبدى في شكل خرق سائر الشرائع وعدم إقامة الشعائر وإسقاطها. فحينما تزداد قداسة الإنسان، يزداد حلول الإله فيه ويصل الحلول إلى نقطة وحدة الوجود، وعند هذه النقطة يفقد الإله نفسه ويبدأ في الشحوب، إلى أن يحل تماماً في الإنسان وبذا يصير الإنسان هو نفسه إلهاً. ولكن الإله لا يحل في الإنسان وحسب وإنما في الطبيعة أيضاً. ومن ثم، فإن الإله والإنسان يُردّان إلى الطبيعة حتى نصل إلى درجة الواحدية المادية الكونية حيث تُختَزل كل المستويات (الإنسانية والإلهية) إلى مستوى كوني أو طبيعي واحد (ويصبح الإنسان إنساناً طبيعياً). ولذا، فإن الحلولية تؤدي إلى العلمانية والمادية وتأليه الإنسان وتطبيعه، أي دمجه في الطبيعة في الوقت نفسه، وهو اختفاء الجانب الروحي والأخلاقي. ومن ثم، تصبح إقامة الشعائر أمراً سخيفاً لا قيمة له. وهذا يتضح أيضاً في التراث القبَّالي وفي التفسيرات القبَّالية في الحديث عن توراة الفيض (مقابل توراة الخلق) وهي توراة لا يقرؤها إلا العارفون بأسرار القبَّالاه. وتتميز هذه التوراة بأنها لا تتضمن أية شعائر أو أوامر أو نواه (فالأوامر والنواهي تفترض الحدود، بينما العارفون بتوراة الفيض مقدَّسون لا حدود لهم ويتحكمون في الإرادة الإلهية نفسها). وقد تبدَّى هذا في الحركات الشبتانية حيث كان زعماء هذه الحركات يقومون بإبطال الشريعة والدعوة إلى خرق الشعائر. ولقد ذهب بعضهم إلى تحويل الوصايا العشر إلى نقائضها أو إلى إعادة تفسيرها. فوصية مثل «لا تسرق» تحولت إلى «لا تسرق إلا بحذر» أو «فلتسرق». والشيء نفسه يُقال عن الوصية الخاصة بالزنى. وقد وصل هذا إلى قمته في حركات مثل الدونمه والحركة الفرانكية.
ومرة أخرى، لم يكن النسق الحلولي يقدر بمفرده على أن يصل باليهود إلى هذه المرحلة الترخيصية دون وجود عناصر تاريخية وحضارية ساعدت على تَحقُّقه. ومن أهم هذه العناصر، انتشار يهود المارانو الذين لم يكونوا يعرفون الشعائر اليهودية، إذ كانت ديانتهم مجموعة من العقائد الخفية المنفصلة عن الشعائر التي لم يكن بوسعهم القيام بها. كما أن ضعف دور الجماعات اليهودية، كجماعة وظيفية، ولَّد لديهم رغبة في الانفـلات من العـزلة الجيتوية والشـعائرية التي فرضتها عليهم وظيفتهم. وأخيراً، كان عدد الشعائر قد تزايد بشكل رهيب مع بدايات القرن السابع عشر حتى صرح أحد اليهود، في منتصف القرن الثامن عشر، بأنه أصبح من الصعب على الإنسان أن يكون إنساناً ويهودياً في الوقت نفسه.
كما أن تزايد الشعائر سبَّب الكثير من المشاكل لأعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان أعضاء الأغلبيات يتهمونهم بأنهم يعزلون أنفسهم عمداً عن بقية الشعب. بل يبدو أن تهمة الدم تعود إلى أن كثيراً من الناس لم يفهموا شعائر عيد الفصح البالغة التعقيد. ولعل أحد أسباب ظاهرة الجيتو هو حاجة اليهود، الواحد منهم إلى الآخر، حتى يتسنى لهم إقامة الشعائر الدينية.
وقد ظهر داخل اليهودية، منذ بداية تاريخها، نقد للتطرف الشعائري، فقد هاجم الأنبياء (المدافعون عن الفكر التوحيدي) الشعائر والقرابين وتكريس الذات لها بدلاً من الإيمان الحقيقي الداخلي. فالإله لا يُسرُّ بالذبائح وإنما بالعيش حسب قواعد الأخلاق. ويمكن القول بأن سبب الأزمات المختلفة التي واجهتها اليهودية كان يتمثل في تزايد الشعائر وصرامتها وجفافها على حساب العقائد. وقد انتصرت المسيحية على اليهودية في القرن الأول الميلادي لأن العبادة القربانية كانت قد تحولت إلى شعائر خارجية خالية من المعنى، وطرحت المسيحية بدلاً من ذلك فكرة الإيمان الذي يُفصح عن نفسه عن طريق قربان الشفتين والقلب (أي الإيمان والصلاة) وجعلته سبيل الخلاص.
ومع بدايات القرن السابع عشر، كانت اليهودية الحاخامية (كما أسلفنا) قد بدأت تواجه الأزمة نفسها مرة أخرى، إذ تزايدت الشعائر وتوارت العقائد وتراجع الإيمان. وقد شنت الحركات المشيحانية الهجوم على اليهودية الحاخامية، فكانت تخرق الشعائر وتبطلها تماماً. وقد ذهب مندلسون إلى أن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه، فهي مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المُرسَلة التي تهدف إلى وضع أسس لسلوك اليهود لا إلى تقنين تفكيرهم وعقيدتهم. أما العقائد اليهودية، من وجهة نظره، فهي أمور عقلية عامة وبديهية يستطيع العقل أن يصل إليها دون حاجة إلى دين مرسل. ومن هنا، فإن الشعائر تُجسد في نظره الخصوصية اليهودية (القومية)، أما العقائد فلا يوجد فيها ما يجعل اليهودية مختلفة عن غيرها من الديانات.
وقد تقبل اليهود الإصلاحيون هذه الأطروحة، ولكنهم خَلصوا منها إلى ضرورة الحفاظ على العقائد العقلية العامة وضرورة التخلص من الشعائر ومن الخصوصية ومن النزعة القومية التي تعزل اليهود وتمنعهم من الاندماج، وقد كان هذا الخط العام لحركة التنوير اليهودية. وذهب دعاة اليهودية المحافظة إلى ضرورة الحفاظ على الشعائر باعتبارها جزءاً من التقاليد اليهودية الشعبية، وعلى أساس أنه قد يكون من الضروري تغييرها وإعادة تفسيرها لتتفق مع روح العصر. ولكن عملية التغيير هذه يجب أن تتم بحذر شديد ومن خلال شكل من أشكال الاجتهاد أو الإجماع الشعبي.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، وعبر القرن التاسع عشر، كانت الحكومات المطلقة في أوربا تحاول تشجيع أعضاء الجماعات بشتى الطرق للتخلي عن إقامة الشعائر، خصوصاً ما يعمق منها الهوية اليهودية ويعزل اليهود عن بيئتهم الحضارية، مثل إطلاق اللحية والسوالف. كما كانت تمنع أحياناً تعيين اليهود الذين يطلقون لحاهم، وتمنع تدريس التلمود في المدارس اليهودية.
وقد استجاب كثير من اليهود لهذه الدعاوى التنويرية، ولكن العقائد اليهودية ظلت غير واضحة أو مستقرة، ولم يتم تعريفها. ولذا، فإن اليهودي حينما يتخلى عن إقامة الشعائر لا يبقى له شيء من اليهودية. وهناك من السوابق التاريخية ما يبين أن التخلي عن الشعائر يؤدي إلى اختفاء اليهودية كما حدث مع يهود كايفنج مثلاً. ولعل هذا هو أيضاً ما حدث ليهود آشور بعد التهجير الآشوري. وهذا يفسر ارتفاع نسبة التنصُّر بين اليهود في العصر الحديث، أو تَحوُّل الأغلبية الساحقة منهم إلى يهود ملحدين أو لا أدريين أو مجرد يهود إثنيين. وفي هذه الحالة، يتحول ما تبقَّى من شعائر إلى مجرد رموز إثنية أو عرْقية قومية يتمسك بها كثير من اليهود الملحدين أو الإثنيين، لا إيماناً بعقيدة دينية أو قيمة أخلاقية وإنما تعبيراً عن الهوية. وبالتالي، تُفرَّغ الشعائر من مضمونها بل تكتسب مضموناً مناقضاً لمعناها الديني الأصلي. والواقع أن إقامة الشعائر هي، من المنظور الديني (التوحيدي)، محاولة لكبح الذات والتقرب من الإله. أما من المنظور الإثني (الحلولي)، فهي تأكيد للذات والتفاف حولها وتعبير عن توثنها. والصهيونية، في جوهرها، امتداد لهذا الموقف، فهي محاولة للاستمرار في الشعائر الدينية باعتبارها تعبيراً عن الروح القومية اليهودية، وهي لذلك شكل من أشكال توثن الذات.

|