الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













القــبَّالاه المســيحية

Christian Kabbalah

مُصطلَح «قبَّالاه مسيحية» مُصطلَح يشير إلى مجموعة الكتابات التي وضعها مؤلفون مسيحيون تبنَّوا المنظومة المعرفية القبَّالية. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن القبَّالاه المسيحية ثمرة احتكاك الفكر الديني المسيحي بالفكر الديني اليهودي الذي سيطرت عليه القبَّالاه، وأن الفكر الديني اليهودي « أثَّر» في المسيحية. ولا شك في أن مثل هذا الاحتكاك كان له أكبر الأثر في شيوع الفكر القبَّالي بين المسيحيين. ولكننا، في الواقع، نميل إلى الأخذ بنموذج توليدي في التفسير، ونذهب إلى أن ثمة طبقة غنوصية حلولية كامنة في كل المجتمعات، وخصوصاً بين الطبقات الشعبية التي تجد أن من العسير عليها أن تتجرَّد من الواقع المباشر لتدرك العالم من خلال فكرة الإله الواحد المنزَّه عن المادة التي تُخلَق من العدم، فالكثرة المادية أمر تدركه حواس الإنسان بصورة أكثر يسراً من إدراك فكرة الإله الواحد المتجاوز، والكل أكثر صعوبة في إدراكه من الجزء إذ يتطلب تجرُّداً من الذات وتجاوزاً لها. وهذه الطبقة الغنوصية تولِّد أنساقاً دينية مختلفة، والنسق القبَّالي لا يعدو كونه أحد هذه الأنساق. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن الفكر القبَّالي اليهودي قد ازدهر في مقاطعة بروفانس في الوقت الذي ازدهر فيه الفكر الغنوصي بين المسيحيين (الهرطقة الألبيجينية). وقد ازدهرت القبَّالاه اليهودية في شبه جزيرة أيبريا مع بداية ازدهار التصوُّف الحلولي المسيحي. كما أن كتاب الزوهار قد بدأ انتشاره مع ازدهار المتصوف الألماني المعلم مايستر إيكهارت Meister Eckhart (1260 ـ 1329). فالتربة التي ساعدت على ازدهار القبَّالاه الغنوصية بين اليهود هي نفسها التي ساعدت على ازدهار أنماط غنوصية في التفكير بين بقية أعضاء المجتمع، خصوصاً في الطبقات الشعبية. كما تنبغي الإشارة إلى أن الفكر الديني المسيحي نفسه دخلته عناصر غنوصية تبناها من الفكر الهيليني أو من العهد القديم. كما أن التأملات الثيو صوفية المسيحية مسألة تسبق ظهور القبَّالاه بزمن طويل. وقد كان الفكر الأفلوطيني (بكل منظومته الأسطورية) أمراً راسخاً هو الآخر في العقل المسيحي الرسمي والشعبي. ولعل أهم العوامل التي خلقت لدى الغرب المسيحي استعداداً كامناً قوياً لتَقبُّل القبَّالاه اليهودية هو اتجاهه نحو تبنِّي رؤية حلولية كمونية تجسدية للكون (مع نهاية العصور الوسطى)، ويتضح هذا في هيمنة الرؤية الهرمسية وشيوع فكرة اللاهوت القديم، أي أن كل الأديان تعود إلى أصل واحد، وتزايد ظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث يصبح هدف الوجود الإنساني السيطرة على الكون لا التوازن معه.

ويمكن القول بأن القبَّالاه المسيحية تعود إلى القرن الخامس عشر، وكانت تهدف إلى تحقيق عدة أغراض: محاولة تنصير اليهود عن طريق التوفيق بين أفكار القبَّالاه اليهودية والعقائد المسيحية، وإظهار أن المعنى الحقيقي للرموز القبَّالية يشير إلى اتجاه مسيحي. وهذه المحاولة لم تكن تبشيرية متعسِّفة كما قد يبدو لأول وهلة، فكثير من رموز القبَّالاه نشأت في تربة مسـيحية (إسـبانيا الكاثوليكية) وهي عبارة عن تشويه لهذه الرموز. كما أن الفكر القبَّالي فكر تجسيدي يجعله يقترب إلى حدٍّ ما من الفكر المسيحي. وبطبيعة الحال، فإن هناك الطبقة الغنوصية الكامنة في كلٍّ من النسق الديني اليهودي والنسق الديني المسيحي، تلك الغنوصية التي تزدحم بها صفحات العهد القديم؛ الكتاب المقدَّس عند المسيحيين واليهود جميعاً. وإلى جانب هذا، كانت هناك الرغبة في اكتشاف الصيغة السحرية التي يمكن التحكم من خلالها في الكون والتي عبرت عن نفسها في انتشار الرؤية الهرمسية واكتساحها كثيراً من المفكرين الغربيين. كانت هناك رغبة وثنية عميقة سادت أوربا مع بدايات عصر النهضة غايتها التوصل إلى كل الحقيقة من خلال دراسة نصٍّ ما، وقد كان ظهور القبَّالاه مناسباً لهذا الغرض. ومع تزايد معدلات العلمنة وتصاعد الرؤية المعرفية الإمبريالية، ازداد الاهتمام بالقبَّالاه باعتبارها مفتاحاً للعلم (كل العلم) والعالم (كل العالم) وهي الرغبة التي تحولت إلى المشروع العلمي الحديث الذي يتصور أن بوسع الإنسان الإحاطة بقوانين الحركة في الطبيعة والتحكم الكامل فيها عن طريق هذه المعرفة.

هذا هو الأساس التوليدي لتغلغل القبَّالاه، فهو استعداد كامن في الحضارة الغربية نفسها، كان قد بدأ يتحقق من خلال عدة عناصر داخلية. ولم يكن شيوع نصوص القبَّالاه اليهودية سوى عنصر مساعد ساهم في الإسراع بالعملية وساعد على بلورتها.

ويبدو أن عدداً كبيراً من اليهود الذين تنصروا قد ساهموا بشكل فعال في نقل الأفكار القبَّالية، ثم انضم إليهم العديد من يهود المارانو. ومن أهم مراكز الفكر القبَّالي المسيحي الأكاديميات الأفلاطونية التي شيدها آل مدتشي في فلورنسا والتي اكتشف علماؤها القبَّالاه اليهودية والنصوص الهرمسـية ورأوا أنها تحتوي على كشف إلهي للجنس البشري فُقد بعض الوقت وتم استرجاعه. وقد ذهبوا إلى أن العالم بوسعه فهم فلسفة فيثاغورس وأفلاطون بل العقيدة الكاثوليكية نفسها من خلال النصوص القبَّالية. ومن أهم الشخصيات التي ساهمت في نقل القبَّالاه إلى العالم المسيحي، اليهودي المتنصر فلافيوس مثراديتيس Flavius Mithradites (ويُقال إنه هو نفسه صمويل نسيم أبو الفرج الذي كان يعيش في صقلية في القرن الخامس عشر) والذي ترجم مقطوعات طويلة من القبَّالاه إلى اللاتينية لتلميذه العالم الفلورنسي بيكو ديلا ميراندولا Pico della Mirandola (1463 ـ 1494) الذي قام بصياغة 900 أطروحة طرحها للمناظرة العامة، كان من بينها 47 أطروحة مستقاة بشـكل مباشـر من القبَّالاه و72 أطروحة اسـتخلصها هو من قراءته للقبَّالاه. بل إنه ذهب إلى أن العلم القبَّالي (والسحر) أفضل السبل لإقناع الإنسان بألوهية المسيح. وتُعَدُّ هذه اللحظة النقطة التي وُلدت فيها القبَّالاه المسيحية كمنظومة تتحدى المنظومة المسيحية الأرثوذكسية أو تقوضها من الداخل (وهو الأمر الأكثر شيوعاً). وقد بيَّن بيكو أنه يمكن التدليل على صدق عقيدة التثليث والتجسد على أساس ما ورد في القبَّالاه.

ومن أهم تلاميذ بيكو ديلا ميراندولا، العَالم الألماني يوحانيس ريوشلين Johannes Reuchlin (1455 ـ 1522) الذي درس القبَّالاه بعمق ونشر كتابين باللاتينية عن الموضوع: الكلمة صادقة المعجزات (1494) أول كتاب باللاتينية في القبَّالاه، و في علم القبَّالاه (1517). وقد ربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة.

وقد اكتشف المسيحيون كلاًّ من القبَّالاه النظرية التأملية والقبَّالاه العملية (السحر). وتُعدُّ أعمال هنري كورنيليوس أجريبا النتيشيمي Henri Cornelius Agrippa von Nettesheim (1486ـ 1535) من أهم الأعمال التي تناولت القبَّالاه العملية. واستمر الاهتمام بالقبَّالاه في الأوساط المسيحية، فكتب الكاردينال إديجيو دا فيتربو Edigio da Viterbo (1465ـ 1532) عدة دراسات متأثرة بالزوهار، وألَّف الراهب الفرنسي فرانسيسكو جيورجيو البندقي Francesco Giorgio of Venice (1460 ـ 1540) كتابين ضخمين تشكل القبَّالاه فيهما الموضوع الأساسي. وقد كان جيورجيو أول كاتب مسيحي يقتبس من كتاب الزوهار باستفاضة. وتُبيِّن كتابات المتصوِّف الفرنسي جويوم بوستل Guillaume Postel (1510 ـ 1581) مدى اهتمامه بالقبَّالاه، فقد ترجم الزوهار وسفر يتسيراه إلى اللاتينية (حتى قبل أن يُطبعا بلغتهما الأصلية) وكتب لهما تفسيراً مستفيضاً. وقد نشر عام 1548 تعليقاً قبَّالياً عن المعنى الصوفي لشمعدان المينوراه. وقد ازداد الحماس المسيحي للقبَّالاه، حتى أن بعض المفكرين بدأوا في جمع النصوص القبَّالية التي كانت لا تزال مخطوطة. ومن بين هؤلاء يوهان ألبرخت ويدمانستتر Johanne Albrecht Widmanstetter (1506-1557) وقد ظلت مراكز دراسات القبَّالاه على يد المسيحيين في إيطاليا وفرنسا طوال القرن السادس عشر، ولكنها انتقلت إلى ألمانيا وإنجلترا في القرن السابع عشر.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الخامس