الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وعلاقة كل تجلٍّ نوراني (سفيراه) بسائر التجلّيات موضع دراسة مستفيضة من القبَّاليين، إذ يُنظَر إلى هذه التجلّيات باعتبارها متصلةً بعضها بالبعض الآخر، من خلال الشيفع، أي الفيض ، فتسري فيه الرحمة الإلهية وكأنها النهر. وأهم العلاقات بين التجلّيات علاقة التجلي السادس بالعاشر. فالتجلي السادس، وهو مركز النظام القبَّالي كلـه، يتلقـى فيض القوى العليا، وينسـقها ويرسـلها إلى القوى السفلى، ويجسد المقدرة الإبداعية الحيوية للتجليات ويعبِّر عنها من خلال الرموز الأساسية للذكورة، فهو كما أسلفنا الشمس والملك والعريس. أما التجلي العاشر، أي الملكوت، فهو الشخيناه أو التعبير الأنثوي عن الخالق، وهي الرحمة والقمر والملكة والعروس. ولكن، رغم أن التجلي العاشر يقع أسفل باقي التجلِّيات، فإنه ذو اليد الطولى في علاقته بالعالم السفلي (البشـري)، فيـتم تأكيـد جوانبـه الملكـية، ويصـبح هو الأم التي تتلقى سيل الرحمة التي تفيض من أعلى (من التجلي السادس).

ويتم التعبير عن العلاقة الأساسية بين التجلِّيات المختلفة من خلال صورة مجازية أو مقولة إدراكية جنسية واضحة. فالعلاقة بين الأب والأم (التجليان الثاني والثالث) علاقة جنسية واضحة، وهما في حالة مضاجعة دائمة وعناق أزلي، ومتى أراد الأب أن يقذف، فإنه يجد الأم على استعداد دائم (وهذا يذكرنا بالكاما سوترا الهندوكية). ويجب ألا ننسى أن الأب والأم هما النموذجان الأمثلان المتحققان. وقد حملت الأم من الأب، وأنجبت الابن والابنة، وكانا في الأصل كائناً واحداً أحادياً مخنثاً (ذكر/أنثى) يعبِّر عن الواحدية الكونية، ولكن الابن انفصل عن الابنة وبدأت قصة الحب بين الأخوين.

وابتعاد الأخوين هـو مصـدر الخلل الكوني، فإذا اجتمعا عمَّ السلام. وكان من المفترض، بعد عملية الخلق الأولى، أن يجتمع الابن والابنة بالمعنى الحَرْفي والجنسي، ولكن السقوط أدَّى إلى فراقهما وزاده. ويبدأ الملك في البحث عن الملكة (الماترونيت أو الشخيناه). وتصف القبَّالاه العلاقة بينهما، وكيف كان الملك يمسح ثدييها ويجتمع بها. ويصبح التجلي التاسع «اليسود» (تساديك) عضو التذكير الذي يصل بين الملك والملكة (وبالتالي يصبح شيفا الذي يفيض بالمنيّ في التراث الهندوكي). وقد خلق الإله الشعب اليهودي ليُصلح الخلل ويُقرِّب الابن والابنة. ولكن، بسبب ذنوب جماعة يسرائيل، هدم مخدع الشخيناه، أي الهيكل، فنُفيت الشخيناه معهم خارج فلسطين.

وبذلك تصبح الصورة المجازية الجنسية المقولة الإدراكية التفسيرية الكبرى في القبَّالاه، فهي تبيِّن سر الكون، ومصدر الوحدة بين الإله ومخلوقاته، وأصل مكانة الشعب المختار المتميِّزة، وهي أيضاً الطريقة التي تتوحد بها الذات الإلهية وتتحقق إذ أن توحُّد التجلِّيات هو توحُّد الإله واكتمال وجوده. وفي إحدى الدراسات، ورد أن الصورة المجازية الجنسية تُستخدَم لمعرفة علاقة التجلِّيات، الواحد بالآخر، وبالتالي فهي لا تنطبق على علاقة المخلوق بالإله. وبناء على ذلك، يصل المؤلف إلى أن التصوف اليهودي يختلف عن التصوف المسيحي حيث يرى المؤلف أن هدف التصوف المسيحي هو الاتحاد بالإله بينما هدف التجربة الصوفية اليهودية هو التواصل مع الإله والالتصاق به. ولكن الشخيناه، كما بيَّنا، تمثل حلقة وصل عضوية بين التجلِّيات المختلفة والعالم السفلي، بحيث لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. كما أن فكرة التقابل بين الإله والمخلوقات، وهي فكرة أساسية في القبَّالاه، تجعل الوحدة والحلولية الكاملة أمراً واضحاً. وعلى كلٍّ أثبتت التطورات اللاحقة في الحركات المشيحانية أن الصورة المجازية الجنسية كانت أساسية في تفكير القبَّاليين وفي إدراك علاقة الإله بالإنسان. وإن كان ثمة اختلاف بين التصوفين المسيحي واليهودي، فهو في الهدف من عملية التوحد وفي نتيجته. فالهدف في التصوف المسيحي هو الفناء في الذات الإلهية، والثمرة هي السكينة، أما في التصوف اليهودي فالهدف هو التوحد مع الذات الإلهـية للتأثير فيـها، والثمرة هـي التحـكم. والتجلّيات النورانية هي، ولا شك، تعبير عن عودة ما إلى التفكير الأسطوري والأساطير الإغريقية بآلهتها المذكرة والمؤنثة وتصوير زواج زيوس بجونو، وهي تشبه أفكاراً مماثلة في النسق الديني الهندوكي. وبإمكان الدارس أن يُلاحظ كيف تأثر فرويد بهذا الفكر القبَّالي الذي درسه. وقد وُصفت القبَّالاه بأنها تجنيس الإله وتأليه الجنس (بمعنى الغريزة الجنسية).

سابق

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الخامس