التجليات النورانية العشرة (سفيروت)
Sephirot
«التجلِّيات النورانية العشرة» هي المقابل العربي لكلمة «سفيروت» العبرية، وهي من الكلمة العبرية «سفيراه» من الجذر العبري «سافار» المرتبط بالكلمات التالية: «سابار» (رقم) ـ «سيفر» (كتاب) ـ «سيبر» (يحكي) ـ «سابير» (لمعان) ـ «سيبار» (حدود). وكلمة «سفيروت» تعني حرفياً «الأعداد» أو «الأرقام»، ثم أصبحت الكلمة فيما بعد تشير إلى التجلِّيات الإلهية (ومن ثم فهي من أهم المفاهيم أو الصور الحلولية في القبَّالاه). وقد كانت هناك مصطلحات أخرى في بداية الأمر لوصف السفيروت أو حالة الامتلاء، فكانت تُسمَّى «الصفات» (ميدوت) أو «القوى» (كوحوت) أو «الدرجات» (معالوت) أو «الخطوات»، كما سُمِّيت «الأسس» و«الأسـماء» و«التيجـان» و«السـمات» و«القنـوات»، وسُمِّيت أخيراً «سفيروت».
والسـفيروت تجلّيـات الإشـعاعات الصادرة من النور الذاتي للإله، وهي التي أوجدت العالم، فهي جذر المخلوقات، وهي الواسطة وحلقة الوصل بين الإله والكون، فإذا كان الإله هو نقوداريشوناه (النقطة الأولى) فإن التجلّيات هي النقط (نقودوت)، وهي أداته في خلق العالم وحكمه، وهي أيضاً الأوعية التي يفيض فيها الإله، ولذا تُسمَّى أيضاً «قنوات الفيض» (سفيروت هشيفع). وهي أيضاً القوى الكامنة ومراحل التجلِّيات أو التجلِّيات نفسها، وهي نواحي الخلق وبؤره أيضاً. والتجلّيات النورانية عشرة، تركز قبَّالاة الزوهار على التأمل فيها، كما تُعنَى بتصنيفها ودراسة العلاقات بينها والهيئات التي تتخذها. والتجلّيات النورانية العشرة في القبَّالاه اللوريانية تقابلها الصور التي تسمَّى «البرتسوفيم» وعددها خمس. ودرجات التجلّيات النورانية العشرة هي:
1 ـ كيتر (أو كيثر) عليون، أي التاج الأعلى للإله، وهي أيضاً الإرادة المقدَّسة والعقل الفعّال (لوجوس)، ويُشار إليها أحياناً بالتاج وحسب، وهي أول مرحلة تخرج من الإين سوف أو الإله الخفي. ومع هذا، يساوي بعض القبَّاليين بين هذا التجلي وبين الإله الخفي نفسه، فهو متوحِّد تماماً مع العدم وليس بإمكان العابد أن يدركه أو يصلى له. ويخرج من هذا التجلي النوراني زوجان مختلطان جنسياً، فهو كائن خنثى.
2 ـ الحوخمه، أي الحكمة، وهو أول التجلِّيات المتعيِّنة التي انفصلت عن الإله المتخفي، وهو الفكر الإلهي الكوني (محشـفاه) الذي يسـبق الخلق، ولذا فهو يحتوي على النماذج المثلى التي وضعها الإله لجميع العوالم، ويُشار إليه بأنه الأب العلوي أو السماوي، وهو أيضاً العلة (الذكرية) الأولى. وقد تحوَّل فيما بعد من الفكر الإلهي إلى الإرادة أو الرغبة الإلهية.
3 ـ البيناه، أي الفهم أو الذكاء. وهو خلاف الحكمة، فهو العقل الذي يميِّز بين الأشياء والذات والمخلوقات. ولذا، فهو المرحلة التي يتحقق أو يولد فيها النموذج الخفي الكامن ويأخذ شكلاً محدداً. وهذا التجلي النوراني هو أيضاً الأم السماوية، وهو عملية الخلق نفسها، وهو أيضاً العلة الأنثوية الأولى، ويدخل التجليان النورانيان الثاني والثالث في علاقة جنسية خاصة إذ يتزاوجان فينجبان التجليين النورانيين السادس والعاشر، وهما أهم التجلِّيات على الإطلاق. ولكن الفيض الإلهي يستمر وتظهر التجلّيات الأخرى.
4 ـ جيدولاه، أي «العظمة». وأحياناً يشار إليه بكلمة «حسيد»، وهو حب الإله الفائض والرحمة.
5 ـ جبـوراه، أي الـقوة أو السلطة، وغالباً ما كان يشار إليه بكلمة «دين»، أي «الحكم الصارم»، وهو مصدر الحكم الإلهي والشريعة والأوامر والنواهي والوصايا، وخصوصاً النواهي.
6 ـ تفئيرت، أي الجمال، ويشار إليه أيضاً بمصطلح «رحاميم» أي «التعاطف». وهو أيضاً الشمس والابن والملك المقدَّس وعريس يسرائيل، وهو الوسـيط بين التجـليين الرابع والخامـس ليأتي بالتناسق والرحمة للعالم. وهو، كما تقدَّم، أهم التجلِّيات النورانية. ويُلاحَظ أنه يتوسط التجلِّيات، ويلعب دوراً مهماً في عملية الخلق والخلاص (وثمة أصداء واضحة هنا لفكرة ابن الإله وابن الإنسان وهي فكرة مسيحية).
7 ـ نيتسح، وهو التحمل، أو الأزلية والنصر.
8 ـ هود، أي جلال الإله.
9 ـ يسود عولام، أي أساس العالم. وهو أساس كل القوى النشيطة في الإله، وهو الذي يصل بينه وبين الأرض، ويُشار إليه أحياناً بكلمة «التساديك» (الصديق) أي الرجل النقي. ويرتكز على هذا التجلي كل التجلِّيات السابقة، كما أن الفيض الإلهي يصل إلى الشخيناه من خلال يسود عولام. ولذا، فهو يأخذ شكل القضيب.
10 ـ ملكوت، أو المملكة. وهو أيضاً عَتَراه (أو عتيريت)، أي التاج المرصَّع بالجواهر، أو الإكليل، وهي الشخيناه والماترونيت وكنيست يسرائيل (جماعة يسرائيل).
وتُقسَّم التجلّيات النورانية إلى مجموعات تضم كل منها ثلاثة: أولها التاج أو الإدارة، والحكم، والفهم، وهذه تشكل الجانب الفكري في الكيان الإلهي. أما العظمة والقوة والجمال، فتشكل الجانب النفسي أو الأخلاقي. وأما التحمُّل والجلالة والأساس، فهي تمثل القوى المادية في داخل الطبيعة. أما التجلي العاشر فيخضع لتفسيرات كثيرة، وهو القناة الموصلة بين الإله والدنيا. وتظهر الدروب أيضاً على هيئة مثلثات أو دوائر متداخلة، أو هيئة شجرة كونية شامخة جذورها في الإين سوف في الأعالي، وتمتد ساقها وأغصانها في اتجاه العالم الأرضي. وقد تم الربط بين التجلِّيات والرياح الأربع والعناصر الأربعة، وأيام الخلق السبعة والدورات الكونية السبع. كما ظهرت التجلِّيات على هيئة الآدم قدمون أو الإنسان الكوني (الأول أو القديم). وفي هذه الصورة، تشكل التجلِّيات الثلاثة الأولى رأسه، والرابع والخامس ذراعاه، والسادس صدره، والسابع والثامن ساقاه، والتاسع عضوه الجنسي، والعاشر يشير إما إلى الصورة كلها أو إلى الأنثى التي تصاحب الذكر. وعلى يسار الآدم قدمون كل الصفات السلبية، وإلى يمينه الصفات الإيجابية.
وقد صدرت كل التجلّيات عن الإين سوف الذي هو أيضاً الآيين، أي «العدم»، والذي يمكن أن نترجمه بعبارة «الإله الخفي»، وهو إله لا يمكن إدراكه ولا الصلاة له. أما التجلّيات النورانية، فهي تجليات ذاتية له، وفيض منه، وهي طريقه إلى أن يخلق نفسه. وقد كان يُنظَر أحياناً إلى التجلِّيات باعتبارها جزء لا يتجزأ من جوهر الإله، وأن مراحل التجلي تمت داخل الذات الإلهية. ولكن الرأي الغالب هو أن يُنظَر إليها باعتبارها أوعية منفصلة عنه يفيض فيها. وهذا يبين تذبذب القبَّاليين بين الرؤية التوحيدية التي ترى الإله جوهراً واحداً لا يتجزأ والرؤية الثنوية التي تقبل التعددية، وإن أدركت القبَّالاه الوحدة فهي وحدة أحادية حلولية مادية. والتجلّيات النورانية العشرة تقابلها تجلّيات عشرة مظلمة، هي السترا أحرا، وهي تجليات اليسار التي استقلت عن الذات الإلهية.
|