القبَّـــالاه: تـاريــخ
Kabbalah:History
«القبَّالاه» هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود. والاسم مُشتَّق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث» أو «التقليد المتوارث». وكان يُقصَد بالكلمة أصلاً تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية»، ثم أصبحت الكلمة تعني، من أواخر القرن الثاني عشر، «أشكال التصوف والعلم الحاخامي المتطورة» (إلى جانب مدلولها الأكثر عموماً باعتبارها دالاً على سائر المذاهب اليهودية الباطنية منذ بداية العصر المسيحي). وقد أطلق العارفون بأسرار القبَّالاه («مقوباليم» بالعبرية و«القبَّاليون» بالعربية) على أنفسهم لقب «العارفون بالفيض الرباني».
ومصطلح «قبَّالاه» واحد من مصطلحات أخرى تشير إلى المدلول نفسه، فالتلمود يتحدث عن «رازي هتوراه»، أي «أسرار التوراة». وقد كان يُشار إلى المتصوفين بعبارات «يورديّ مركافاه»، أي «النازلون إلى المركبة»، و«بعلي هاسود»، أي «أسياد أو أصحاب الاسم»، و«إنشي إيموناه»، أي «رجال الإيمان»، و«بني هيخلاه دي ملكا»، أي « أبناء قصر الملك».
وكان القبَّاليـون يرون أن المعـرفة، كل المعـرفة (الغنوص أو العرفان)، توجد في أسفار موسى الخمسة، ولكنهم كانوا يرفضون تفسير الفلاسفة المجازي، وكانوا لا يأخذون في الوقت نفسه بالتفسير الحرفي أيضاً. فقد كانوا ينطلقون من مفهوم غنوصي أفلاطوني مُحـدَث يُفضـي إلى معـرفة غنوصـية، أي باطنية، بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم وبالمعنى الباطني للتوراة الشفوية.
والتوراة ـ حسب هذا التصور ـ هي مخطَّط الإله للخلق كله، وينبغي دراستها. لكن كل كلمة فيها تمثل رمزاً، وكل علامة أو نقطة فيها تحوي سراً داخلياً، ومن ثم تصبح النظرة الباطنية الوسيلة الوحيدة لفهم أسرارها. وقد جاء أنه، قبل الخلق، كُتبت التوراة بنار سوداء على نار بيضاء، وأن النص الحقيقي هو المكتوب بالنار البيضاء، وهو ما يعني أن التوراة الحقيقية مختفية على الصفحات البيضاء لا تدركها عيون البشر. ويقول القبَّاليون إن الأبجدية العبرية لها قداسة خاصة، ولها دور في عملية الخلق، وتنطوي على قوى غريبة قوية ومعان خفية، وبالذات الأحرف الأربعة التي تكوِّن اسم يهوه (تتراجرماتون)، فلكل حرف أو نقطة أو شرطة قيمة عددية. ومن هذا المنطلق، فإن الحروف تنقسم بصفة عامة إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى الهمزة (رمز الهواء)، والمجموعة الثانية الميم (رمز الماء)، والمجموعة الثالثة الشين (رمز النار). وبإمكان الإنسان الخبير بأسرار القبَّالاه أن يفصل الحروف، ويجمع معادلها الرقمي ليستخلص معناها الحقيقي، كما كان من الممكن جَمْع الحروف الأولى من العبارات، وأن يُقرَأ عكساً لا طرداً ليصل المرء إلى معناها الباطني. وكانت هناك أيضاً طريقة الجماتريا.
وبذلك تصبح كلمات التوراة مجرد علامات، أو دوال، تشير إلى قوى ومدلولات كونية وبنى خفية يستكشفها مفسر النص الذى يخترق الرداء اللفظي ليصل إلى النور الإلهي الكامن. ومن خلال هذا المنهج التفسيري، تَمكَّن القبَّاليون من فرض رؤاهم الخاصة على النصوص الدينية وإشاعتها، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لكل الآراء الحلولية المتطرفة.
وإذا كانت الديانات التوحيدية، وضمنها اليهودية، التي تدور حول إله مفارق يتجاوز الطبيعة والتاريخ ترى أن ثمة مساحة تفصل بين الخالق والمخلوق، وبين الإله والكون، فإن التراث القبَّالي ينزع نزوعاً حلولياً واضحاً نحو تضييـق المسـافة بينهما، حتى تتلاشى تماماً في نهاية الأمر. والواقع أن الإله، حسب التصور القبَّالي، ليس الإله المفارق المتسامي الذي ليس كمثله شيء، وإنما يُنظَر إليه من منظورين: باعتباره (أولاً) الإله الخفي والجوهر الذي لا يستطيع الإنسان إدراك كنهه، وهذا هو إله الفلاسفة؛ الإله الواحد الذي لا يتجزأ، وهو في رأي القبَّالاه حالة ساكنة تفتقد إلى الحيوية، وهو الخالق في حالة انكماش قبل عملية الخلق، وهو العدم واللاوجود (فهو يشبه من كثير من الوجوه إله الغنوصية الخفي)، كما يُنظَر إليه باعتباره (ثانياً) الإله القريب الحي؛ القريب بسـبب وجـوده الذاتي وتعـدديته، فهو بنية داخلية، مركبة ودينامية، وهو عملية عضوية تؤثر في العالم وتتأثر به، وهو تَجسُّد مادي (لوجوس) يحل في المادة (سواء كانت الشعب اليهودي أم الظواهر الطبيعية أم اسم الإله الأعظم من يكتشفه يتحكم في الكون بأسره). والإله يتسم بسمات عديدة اشتقها القبَّاليون من خلال قراءتهم الغنوصية الدينية اليهودية السابقة، ومن خلال تجاربهم الصوفية (فهو يشبه من بعض الوجوه الإله الصانع في المنظومة الغنوصية والطبيعة الطابعة في المنظومة الإسبينوزية).
وبينما حاول الفلاسفة اليهود والحاخامات تفسير ما يرد في العهد القديم من خلع صفات بشرية على الإله وتجسيمه بأنها من قبيل المجاز، فإن القبَّاليين أخذوا ما جاء في سفر التكوين (1/28) من أن الإله قد خلق الإنسان على صورته، وفسروه تفسيراً حرفياً ثم فرضوا عليه كثيراً من المعاني حتى توصلوا إلى فكرة آدم قدمون، أي الإنسان الأصلي، ومفادها أن جسم الإنسان يعكس في سماته بناء التجليات النورانية العشرة (سفيروت). وهذا مثل جيد للمنهج الذي يُفسِّر القبَّاليون به العهد القديم بطريقة ليست مجازية ولا حرفية، وإنما عن طريق فرض المعنى الذي يريده المفسر.
وقد أصبحت القبَّالاه في نهاية الأمر ضرباً من الصوفية الحلولية ترمي إلى محاولة معرفة الإله بهدف التأثير في الذات العلية حتى تنفذ رغبات القبَّالي أو المتصوف حتى يتسنى لصاحب هذه المعرفة السيطرة على العالم والتحكم فيه. ولذا، فإن القبَّالاه تتبدى دائماً في شكل قبَّالاه عملية، وهي أقرب إلى السحر الذي يستخدم اسم الإله والمعادل الرقمي للحروف (جماتريا) والأرقام الأولية والاختصارات (نوطيرقون) للسيطرة. وترتبط القبَّالاه في وجهها العملي بعدد من العلوم السحرية، مثل: التنجيم، والسيمياء، والفراسة، وقراءة الكف، وعمل الأحجبة، وتحضير الأرواح. ومع ابتعادها عن التقاليد الحاخامية الدراسية استوعبت عناصر كثيرة من التراث الشعبي تمثل الازدهار الأقصى للتفكير الأسطوري والحلولي في اليهودية.
ورغم تأكيدنا أن القبَّالاه ثورة على التراث الحاخامي إلا أنها تضرب بجذورها في الطبقة الحلولية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي منذ البداية في العهد القديم، حيث يتوحد الإله مع شعبه. وهو توحُّد كان يأخذ شكل العهد المتجدد بين الإله والشعب، والتدخل المستمر للإله في التاريخ لصالح شعبه، وتجسُّده في شكل عمود نار ليقودهم، وغضبه منهم وحبه لهم وغزله فيهم ومعهم. وقد عبر الحلول الإلهي وعشقه لبنت صهيون عن نفسه في نهاية الأمر في شكل العبادة القربانية المركزية حيث كانت تتم لحظة الحلول والالتحام بين الإله والشعب والأرض في يوم عيد الغفران حين كان كبير الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس لينطق باسم يهوه.
|