|
هـ) يأخذ الإله أحياناً في كل من القبَّالاه وفي المنظومة الغنوصية شكل إله خنثى (ذكر وأنثى) وتأخذ عملية الخلق شكل انفصال بين العنصرين.
و) تأخذ عملية الخلاص شكل اقتراب تدريجي من الخالق إلى أن يتحقق التوحد الكامل، وهو توحُّد جنسي في بعض المنظومات. وتُستخدَم كلمة «يحود» لوصف هذا التوحد، وهي كلمة تعني «التوحد مع الخالق» وتعني أيضاً «الجماع الجنسي».
ز) يمكن أن نتخيل العالم الغنوصي على هيئة مخروط: مجموعة من الدوائر المتداخلة التي تَدق كلما تحركنا من القاعدة إلى القمة، وهي دوائر متداخلة ذات مركز واحد تختلف في الحجم ولا تختلف في البنية. وعضو التذكير هو قمة المخروط أما قاعدته فهي عضو التأنيث، فهو إذن الإله الذكر والأنثى. وهذا أيضاً هو شكل العالم في المفاهيم اليهودية وفي القبَّالاه، فالإين سوف هو رأس المخروط المدبب وهو عضو التذكير، والشخيناه قاعدته، وهي امتداد الإله في الدنيا، والشعب اليهودي بنت صهيون وهي أيضاً عضو التأنيث الذي ستفيض فيه الرحمة الإلهية لتوزع على العالمين.
4 ـ تحاول كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه حل مشكلة الشر في العالم عن طريق قصص أسطورية جوهرها إسقاط البُعد الأخلاقي للقضية.
أ) فالشر في المنظومة الغنوصية ناجم عن خلل حدث في المنظومة نتيجة حب صوفيا العارم والمفرط للإله (ويأخذ شكل عشق ذاتها وصورتها، فهي من صلب الإله) الأمر الذي يؤدي إلى سقوطها أو سقوط بعض الشرارات النورانية الإلهية واختلاطها بقوى الظلام والمادة. وتُسمَّى هذه الحادثة في المنظومة القبَّالية حادثة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وهي ناجمة عن حـب الشـخيناه العارم والمتطرف للإين سوف. وفي رواية أخرى، ينجم الخلل وتبعثر الشرارات عن أن النور الإلهي يثقل الأوعية فيهشمها، ويُقال إن ما يسبب حادثة التهشم والتبعثر هذه هو تطرُّف تجلِّي الحكمة على حساب تجلِّي العاطفة.
ب) ينجم الشر في إحدى المنظومات الغنوصية عن خديعة الإله الصانع (الأرضي) إذ يسرق الشرارة الإلهية ويحبسها في المادة أو يخلق إنساناً على هيئة الأنثروبوس ويضع فيه الشرارة. وفي المنظومة القبَّالية يُقال إن الشخيناه تلد الشر دون أن تدري، إذ يتقمص أحد الشياطين شكل الإين سوف ويعاشرها جنسياً فتلد الأغيار والشياطين الذين يحوِّلون العالم إلى مكان معاد لليهود.
جـ) وتطرح المنظومة الغنوصية فكرة صوفيا المزدوجة: واحدة سماوية والأخرى أرضية فتحارب صوفيا ضد الشر (وتلحق بعد ذلك بالسماوية)، وكذا في المنظومة القبَّالية توجد شخيناه سماوية وأخرى أرضية رهيبة ستنتقم من أعداء جماعة يسرائيل ثم تلتحق بقرينتها السماوية (وهذا تعبير آخر عن الثنائية الصلبة الوهمية).
5 ـ ثمة تشابه عميق بين مفهوم الخلاص والخير والشر والبعث في كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه.
أ ) العالم فاسد والزمان رديء في المنظومة الغنوصية ولا جدوى من فعل الخير أو محاولة التسامي، والخلاص لا علاقة له بالأخلاق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لهذا، لا يوجد بعث فردي ولا حساب وإنما التحام للروح في الكل الإلهي وذوبان فيه. وعالم الأغيار في القبَّالاه عالم فاسد والتاريخ الإنساني رديء، وتبهت فكرة البعث في القبَّالاه وتحل محلها فكرة تناسخ الأرواح التي تنكر المسئولية الخلقية والثواب والعقاب (وتشبه فكرة العود الأزلي عند نيتشه). والعودة إلى أرض الميعاد فكرة قومية جماعية تلغي أيضاً المسئولية الخلقية والخلود الفردي للروح.
ب) لفهم عملية الخلاص وحدودها، لابد أن ندرك الهرمية الصارمة التي يتسم بها كل من العالم الغنوصي وعالم القبَّالاه. فالبشر الروحانيون (في المنظومة الغنوصية) يوجدون في قمة الهرم والنفسانيون في وسطه والجسمانيون في قاعدته، والاختلافات بينهم ليست اختلافات أخلاقية أو حتى معرفية وإنما اختلافات أنطولوجية. وفكرة الاختلاف الأنطولوجي بين اليهود والأغيار فكرة أساسية في القبَّالاه، فالأغيار مثل الجسمانيين والنفسانيين ليسوا بشراً، ومخطَّط الخلاص لا ينصرف إليهم. وأكدت القبَّالاه المفهوم النخبوي داخل اليهودية بالتركيز على مفهوم البقية الصالحة وهـم نخبة الروحـانيين أو نخبة النخبة، خـير من في الشـعب اليهودي.
جـ) في المنظومة الغنوصية، يعيش الإنسان (الروحاني) منفياً في العالم المادي، فقد سقط فيه عن طريق الخطأ أو الخلل الذي حدث. ووجوده في هذا العالم هو مصدر تعاسته، وهو يحلم دائماً بالعودة إلى أصله الرباني النوراني ليلتحم به مرة أخرى ولن تتحق سعادته إلا بهذه العودة حيث يُترَك البشر النفسانيون والجسمانيون في كوكبهم الأرضي المدنَّس، فهم لا قداسة لهم مستبعدون من عملية الخلاص، وتنسحب الشرارات الإلهية تماماً من الكون بانسحاب أصحاب العرفان منه (يصبح العالم مادة محضة وقد يختفي ويذوب). وكل هذه العناصر توجد في القبَّالاه، فسقوط الإنسان (وصوفيا) يشبه سقوط الشعب اليهودي والشخيناه. وقد كان اليهود جزءاً من الآدم قدمون والإله قبل السقوط فتبعثروا وسقطت الشرارات أو الأرواح في أجساد مادية زائلة، وحُبست الشرارات في المادة وفي عالم الأغيار المعادي. ولذا، فاليهود يعيشون حالة نفي يحلمون بالعودة إلى أصلهم الإلهي أو إلى أرض الميعاد. وحالة النفي حالة نهائية مادامت هناك دنيا ومادام هناك تاريخ، ومن ثم فلا جدوى من البحث عن السعادة والمتعة (في عالم المادة بين الأغيار) إذ ليس بإمكان اليهود (النورانيين) أن يحصلوا على السعادة إلا بالعودة إلى الأصل الإلهي في أرض صهيون والالتحام بها في نهاية التاريخ حين ينتصرون على كل شعوب الأرض من الأغيار، الذين يُستبعَدون تماماً من عملية الخلاص.

|