الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وتصل الثنائية الصلبة إلى قمتها في المفهوم الحسيدي الخاص بالتساديك، مركز الحلول الإلهي، الذي يبلغ من القوة قدراً يجعله يصبح قناة موصلة بين أتباعه والإله، فأدعيتهم لا يمكن أن تستجاب إلا بعد أن يوصلها هو للإله، والإله نفسه لا يمكنه أن يفعل شيئاً إلا من خلاله. وإرادته من القوة بحيث يستطيع التأثير في الإله ويستطيع أن يرغمه على تغيير إرادته.

ويمكن القول بأن الحلولية هنا هي حلولية فردية في الحاخامات والتساديك الذين يحلون محل المسيح في المنظومات المسيحية. ولا شك في أن الحلولية اليهودية هنا تأثرت بالعقيدة المسيحية، فقد وُجدت في تربة مسيحية سلافية حلولية صوفية. ولكن ثمة فارقاً مهماً، رغم التشابه الظاهر، وهو أن المسيح ليس قناة موصلة بين الإله وشعب بعينه، فهو تجسُّد الإله لصالح كل البشر. والمسيح، فضلاً عن هذا، يأتي ويُصلَب ويقوم، فالحلول فردي مؤقت ومنته. أما الحلول في الحاخامات والتساديك فهو مستمر ومُتوارَث. ومن ثم، فإن الحسيدية شكل من أشكال الحلول الثنائية الصلبة (الروحية) على النمط اليهودي القديم رغم تأثرها بالأفكار المسيحية في فكرة التساديك على وجه الخصوص.

وقد ترجمت الثنائية الصلبة نفسها في العصر الحديث إلى الحركة الصهيونية، فبعد موت الإله يبقى الشعب المقدَّس المتمركز في أرضه المقدَّسة (المستوطنون الصهاينة في فلسطين) حيث تنتظمهم الدولة الصهيونية صاحبة الإرادة النيتشوية التي تَصدُر عن حقوق مطلقة منحها اليهود لأنفسهم وتساندها القوة العسكرية، وتقف هذه الدولة أمام الأغيار (الذين يقعون خارج نطاق القداسة) تمارس حقوقها بالقوة وتهدر حقوق الآخرين. والصهيونية تأخذ شكلين، ثنائية صلبة روحية (الإله يحل في الشعب) وثنائية صلبة مادية (القوة الدافعة للمادة الكامنة في الشعب)، يترجمان نفسيهما إلى صهيونية دينية وعلمانية. وأخيراً، ترجمت الثنائية الصلبة نفسها إلى لاهوت موت الإله الذي حوَّل كل ما يحدث للشعب اليهودي (الإبادة) وكل ما يَصدُر عنه من أفعال (الدولة الصهيونية) إلى مُطلق. والشعب اليهودي (مثل المسيح) يُجسد الإله الذي يُصلَب. وبدلاً من القيام، يؤسس هذا الشعب الدولة الصهيونية التي تصبح مطلقاً لا يحق للأغيار التساؤل بشأنها، وبذا يتحول الشعب الشاهد إلى الشعب الشهيد. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الحلولية الثنائية الصلبة اليهودية آخذة في التراجع، ولكن ما يحل محلها ليس الفكر التوحيدي وإنما الحلولية الشاملة السائلة.

ويمكن القول بأن الصهيونية الحلولية العضوية هي تعبير عن الحلولية الصلبة، أما صهيونية عصر ما بعد الحداثة فهي تعبير عن الحلولية السائلة.

سابق

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد الخامس