|
وقد لاحَظ معلق سياسي يهودي أن أعداداً كبيرة من الشباب اليهودي انخرطوا، أثناء حرب فيتنام، في صفوف المتمردين ورافضي الحرب، إذ أن ثُلث أعضاء اليسار الجديد كانوا من الشباب اليهودي. ولكن المؤسسات اليهودية نفسها اتخذت موقفاً محايداً يُعتبر جزءاً من تأييدها لإسرائيل. ولم تصبح المعابد اليهودية مراكز لتزويد المتهربين من الخدمة بالمعلومات والمشورة، شأنها في هذا شأن بعض الكنائس. ولذا، كان كثير من الحاخامات اليهود يرسلون الشباب اليهودي المتهرب من الخدمة إلى الكنائس. ويُلاحَظ الآن أن الجماعات الكاثوليكية وليست اليهودية هي التي تتحدث عن السلام وعدم التسلح وتتخذ مواقف ضد القنبلة الذرية.
ولكن، ومع هذا، تنشأ أحياناً توترات عميقة بين الأمريكيين اليهود والقيادة الصهيونية، إذ يجد هؤلاء أنه ليس من صالحهم أن يتحالفوا مع الأغلبية الصامتة والجماعات الأصولية التي تطالب بعدم فصل الدين عن الدولة، وهو أمر يتنافى مع الموقف التقليدي لليهود الذي يطالب بمزيد من العلمنة ضماناً للحريات والانعتاق. وفي الآونة الأخيرة، توترت العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية والدولة الصهيونية لأن هذه الدولة تشوه صورتهم في مجتمعاتهم بسبب حركة الاستيطان في الضفة الغربية وترفع شعارات دينية متعصبة تتناقض مع القيم التي يعيشون على أساسها. لقد كانت الدولة الصهيونية، حتى عام 1967، محل فخرهم بانتصاراتها العسكرية ومؤسساتها الديموقراطية، وكانوا يسعدون كثيراً بهويتهم اليهودية التي كانت تستند إلى قيم لا تختلف كثيراً عن قيم المجتمع الأمريكي. ولكن، بعد ظهور التيارات السياسية العنصرية الواضحة في إسرائيل (وهم يحيون في مجتمع يرفع شعار المساواة)، وبعد تطرف إسرائيل وتشددها في مواقفها السياسية (وهم في مجتمع يتحدث دائماً عن التكيف والتعقل والاعتدال)، فإن يهود الولايات المتحدة لم يعودوا يشعرون بالفخر بل ويحاولون الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية. ثم هناك، في نهاية الأمر، قضية هوية اليهودي تلك القضية الأزلية التي لا تجد حلاًّ لها، والتي قد تجعل منهم يهوداً من الدرجة الثانية. كما كان لحادثة بولارد أعمق الأثر في تعميق الفجوة والجفوة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، إذ أثبتت لهم أن الدولة الصهيونية تؤثر مصلحتها على مصلحتهم. ومن المتوقع أن يتعمق هذا الاتجاه بعد أن قضت الانتفاضة على صورة إسرائيل بوصفها واحة الديموقراطية والسلام والتسامح. فمنظر جنود الدولة الصهيونية وهم يكسرون عظام الشباب الفلسطيني ويطاردون الأطفال على شاشة التليفزيون أمام الأمريكيين جميعاً، وأمام جيرانهم، ليس بالأمر الذي يدعو للفخر. ومع هذا فلا شك في أن الاتفاقات العربية الأخيرة مع إسرائيل ستخفف حدة التوتر بين الدولة الصهيونية والأمريكيين اليهود.
ويمكن القول بأن الولايات المتحدة تمثل التحدي الأكبر بالنسبة للمشروع الصهيوني. وقد أدرك المؤرخ الروسي اليهودي سيمون دبنوف أن مسار الهجرة اليهودية الشرق أوربية متجه نحو الولايات المتحدة، ولذلك فقد تنبأ بفشل المشروع الصهيوني في جذب كثافة سكانية. فالولايات المتحـدة كما رآهـا هي مركز جذب أكثر تألقاً وأهمية من فلسـطين. ويبدو أنه كان محقاً في رأيه إذ أن مسار الهجـرة اليهـودية لا يزال يتجـه نحـو الولايات المتحــدة بالدرجة الأولى. وربما كان تَساقُط المهاجرين السوفييت (أي خروجهم من الاتحاد السوفيتي زاعمين أنهم سيهاجرون إلى إسرائيل للحصول على تأشيرة خروج ثم يغيِّرون اتجاههم ويهاجرون إلى الولايات المتحدة) وتزايد عدد المرتدين من الإسرائيليين، تعبيراً عن الحركة الطبيعية لليهود نحو الولايات المتحدة، والتي تعوقها الأوهام العقائدية للصهاينة.
كما أن جاذبية الولايات المتحدة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم متعددة الجوانب، فهي على حد قول أحد الكُتَّاب « المنفى الذهبي» وهي الجولدن مدينا (البلد الذهبي) حيث الشوارع من فضة والأرصفة من ذهب. فهناك الجانب المادي، حيث هي أرض اللبن والعسل الحقيقية والهامبورجر، ويجد فيها اليهودي فرصاً اقتصادية لا حد لها، وهي بلد يحقق فيه الفرد مستوى معيشياً واستهلاكياً مرتفعاً يعد من أعلى المعدلات في العالم. وهي بلد آمن لا يجرؤ أحد على مهاجمته فيه. وهي، في نهاية الأمر، البلد الذي منح أعضاء الجماعة اليهودية حقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وقد قال سالو بارون إن الولايات المتحدة أول تجربة يهودية حقيقية بعد الانعتاق. كما أن صورة الولايات المتحدة الجذابة تناقض بشكل مذهل صورة الدولة الصهيونية الكالحة، فهي دولة لا تتمتع بالأمن. ويرى يهود الولايات المتحدة، بخلفيتهم الشرق أوربية، أن إسرائيل محاصرة ومهدَّدة، تماماً مثل مدنهم في السابق، في منطقة الاستيطان. وهي دولة تدعي أنها يهودية، ولكنها في الحقيقة بغير هوية واضحة، فلا هي دولة دينية ولا هي علمانية، وهي تعتمد في بقائها على الولايات المتحدة. ومع ضعف العقيدة الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، يضطر الصهاينة إلى أن يُسقطوا الخطاب الديني ويهيبوا باليهود للهجرة لأسباب مادية محضة مثل التمتع بمستوى معيشي مرتفع، الأمر الذي سيزيد ولا شك من جاذبية الولايات المتحدة التي تحقق هذا المستوى بكل يسر.
وربما كان هذا ما حدا بعض اليهود، مثل المؤرخ اليهودي المعاصر ساخار، على أن يصرح بأن الولايات المتحدة ليست منفى وأنها وطن قومي لليهود بمعنى أن هناك على الأقل وطنين قوميين (!) وهذا هو ما تدافع عنه صهيونية الأقليات أو صهيونية الشتات (الدياسبورا)، التي نسميها «الصيهيونية التوطينية»، صهيونية من يرفضون الهجرة ويكتفون بالدعم والتأييد حتى تتاح لهم الحياة في المنفى الذهبي.
ومما يزيد الأمور تركيباً بالنسبة إلى المؤسسة الصهيونية أنه مع تزايد اعتمادها على الولايات المتحدة أصبح بقاؤها مرهوناً بها. وفي الواقع، فإن وجود أقلية يهودية داخل مؤسسات صنع القرار أمر حيوي للجيب الصهيوني، وهو ما يعني ضرورة بقاء الأمريكيين اليهود في الولايات المتحدة. كما أن الدولة الصهيونية، التي تطالب يهود أمريكا بالهجرة، تجد أن من صالحها أيضاً ألا يهاجروا، ويتنازع هذان القطبان السياسة الإسرائيلية.
|