الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وظـــائف أعضـاء الجماعــات اليهـودية في أمريكا اللاتينيـة

Occupations of the Members of the Jewish Communities in Latin America

لا يمكن فهم الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتوزُّعهم الوظيفي والمهني والحرفي، إلا من خلال رؤيتهم باعتبارهم أقلية مهاجرة. وقد وصل اليهود إلى أمريكا اللاتينية بعد عدة قرون من تأسيس هذا المجتمع، وبعد أن اكتمل كثير من ملامحه الاقتصادية والثقافية. وقد نتج عن ذلك عدة أشياء من بينها أن أعضاء الجماعة اليهودية، عند وصولهم، وجدوا أن المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين) تم شغلها من قبَل المستوطنين الأوائل. وحتى إن وُجدت فيها فرص فهي عادةً، بسبب الميراث الحضاري، لا يغتنمها إلا السكان المحليون. ولذا، نجد أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في الزراعة أقل بكثير من النسبة على المستوى القومي، وضمن ذلك الأرجنتين التي تضم أكبر مشروع للاستيطان الزراعي خارج إسرائيل.

واتجه أعضاء الجماعات اليهودية المهاجرون، بطبيعة الحال، إلى القطاعات غير المتطورة في الاقتصاد وإلى أعمال الوساطة التي تقوم بها الجماعات الإثنية الغريبة والمهاجرة. وقد كان القطاعان التجاري والصناعي مُهمَلين في مجتمعات أمريكا اللاتينية بسبب سيطرة القيم التقليدية (الكاثوليكية) مثل الاحتقار التقليدي للتجارة والصناعة حيث ترتبط الأرستقراطية بفكرة الحسب والنسب وملكية الأرض. ومثل هذه المجتمعات ترفض القيم العقلانية والنفعية (البروتستانتية)، مثل حب الإنجاز والتوجه نحوه والتلهف على مراكمة الثروة، وتفضل البحث عن السعادة والتوازن وتركز على حياة التأمل والزهد. وهي لا تؤمن بأن العمل خير في ذاته، أو قيمة مطلقة يجب الالتزام بها بغض النظر عن نتائجها، بل تراه شراً لابد منه، وهي لا تقبل التنافس والتناحر بوصفه وسيلة مشروعة للبقاء وتركز على الجماعية والتكافل والتراحم.

ويُلاحَظ أن القطاع التجاري والصناعي في أمريكا اللاتينية قطاع أجنبي بالدرجة الأولى، فقد كان رأس المال أجنبياً وكذلك كان العمال المهرة. وفي الأرجنتين، على سبيل المثال، كان 80% من قطاع الصناعة والتجارة في أيد أجنبية عام 1895. وفي عام 1959، كان 45.5% من مجموع المستثمرين من الأجانب، ونسبة عالية من الباقين كانوا من مواليد الأرجنتين ولكن من أبوين مهاجرين. ولذا، لم يكن اتجاه اليهود نحو هذين القطاعين غريباً.

وقد كان القطـاع التجاري، كما أسـلفنا، يتسـم بالتخـلف. ومن ثم، اعتمدت مناطق واسعة في الأرجنتين على تصدير محاصيلها وموادها الخام. ولكن هذه المناطق كانت، مع هذا، تضم عدداً لا بأس به من السكان محدودي الدخل تتزايد تطلعاتهم الاستهلاكية، وخصوصاً بعد أن بدأوا يختلطون بالمهاجرين الذين أحضروا أنماطاً استهلاكية غير مألوفة، أي أن احتياجات بشرية جديدة ظهرت وكان لابد من الوفاء بها. وهنا يأتي دور الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة لأن التاجر الأرجنتيني المحلي لم يكن يتاجر إلا في البضائع المستوردة الفاخرة مرتفعة الثمن وهو ما جعلها مقصورة على الأغنياء بعيدة عن متناول الفقراء. كما لم يكن التاجر الأرجنتيني يقدم أية تسهيلات ائتمانية لزبائنه إذ كان عليهم أن يدفعوا الثمن نقداً.

وداخل هذا الإطار، لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً ريادياً مهماً، فهم ككل الجماعات المهاجرة يتسمون عادةً بعدة سمات من بينها تحرُّرهم النسبي من التقاليد والقيم، أية تقاليد وأية قيم. وهم لا يدينون بالولاء للقيم الأخلاقية أو الدنيوية للمجتمع. ولذا، فهم يشكلون عنصراً ريادياً، كما أنهم يأتون بخبرات تجارية ومالية ليست متوافرة في المجتمع المضيف بفضل ميراثهم الاقتصادي. ففي بلادهم الأصلية، أساساً روسيا، كانوا يعملون باعة جائلين يتاجرون في السلع الرخيصة ويتحملون من المخاطر ما لا يتحمله التاجر المحلي المستقر، ويصلون إلى الأماكن التي لا تصل إليها ذراع المؤسسات الاقتصادية الحديثة. وقد جاءوا دون أي رأسمال أو جاءوا برأسمال صغير لا يُذكَر، ولكنهم كانوا يملكون مجموعة من المهارات غير المتوافرة في المجتمع، ولهذا اتجهوا نحو البحث عن مجالات جديدة في الصناعة والتجارة لا تحتاج إلى رأسمال كبير بقدر ما تحتاج إلى مهارات خاصة. وقد كان من بين المهاجرين عمال في صناعة الملابس ونجارون وصناع أثاث وجواهرجية وصناع ساعات وعمال بناء وصناع أحذية وقبعات وخبازون. فتركزوا في إنتاج هذه السلع، وارتادوا كل الأسواق، ووصلوا إلى قطاع محدودي الدخل، وخصوصاً أنهم كانوا على استعداد للبيع بالتقسيط. وقد كان كثير من التجار المتجولين حرفيين في بلادهم، فكانت العملية الاقتصادية تبدأ بصناعة السلع في المنزل داخل إطار الاقتصاد المنزلي والصناعة المنزلية حيث يقوم أعضاء الأسرة بعملية التصنيع بأنفسهم. وقد أسهم التاجر اليهودي المتجول في زيادة الإقبال على السلع الاستهلاكية والترفية، فوسَّع نطاق السوق وحجم الطلب، وهو ما ساهم في تنشيط اقتصاديات المنطقة التي يرتادها. وكان هذا واضحاً في الأرجنتين على سبيل المثال. ولكن، بطبيعة الحال، زاد هذا النشاط أيضاً حسد الوسطاء الآخرين الذين ألفوا الطرق التقليدية في التسويق. وقد كان هناك بعض أعضاء الجماعات اليهودية ممن لا كفاءات لهم، أو ممن لهم كفاءات لا يستطيع المجتمع استخدامها مثل طلبة الجامعات الروسية الثوريين الذين نفاهم النظام القيصري أو موظفي الحكومة الذين كانوا يعملون في وظائف السكرتارية ولكنهم لا يجيدون اللغة الإسبانية أو البرتغالية. كل هؤلاء استوعبتهم الوظائف الهامشية في المدينة، أو انخرطوا في صفوف الطبقة العاملة (اليهودية) حيث كانوا يعملون في المصانع التي يمتلكها يهود، وهو ما كان يجعلهم عرضة للاستغلال إذ أن فرص الالتحاق بمصانع أخرى كانت ضعيفة أو منعدمة. ويجب ملاحظة أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين انخرطوا في سلك الطبقة العاملة كان صغيراً لأن القاعدة الصناعية في أمريكا اللاتينية كانت صغيرة والأجور كانت أقل كثيراً من نظيرتها في أوربا، كما لم تكن توجد اتحادات عمالية لحماية العمال. كذلك ظهر بين اليهود صناعات منزلية بدائية فيما يُسمَّى «ورش العرق»، وهي صناعات ملابس تُعدُّ امتداداً لتركز اليهود في أعمال الرهونات في روسيا.

ومن الأعمال التي عمل بها أعضاء الجماعات اليهودية مهنة البغاء الذي يُعدُّ شكلاً من أشكال التجارة المتجولة. فالبغيّ مثل التاجر المتجول، فقيرة لا تملك شيئاً وتود أن تبيع السلعة التي يرغبها الجمهور. والظروف التي أدَّت إلى ظهـور التاجر المتجـول هي نفسـها التي أدَّت إلى ظهور البغاء، أي وجود حاجة ما لدى المجتمع لا يمكنه الوفاء بها داخل مؤسساته القائمة، وهي في هذه الحالة وجود عدد كبير من الذكور المهاجرين بدون إناث. ويضاف إلى هذا وجود عدد كبير من الإناث اليهوديات في منطقة الاستيطان اليهودية، وخصوصاً جاليشيا، من الراغبات في الحراك الاجتماعي. وقد ظهرت شخصية القواد اليهودي الذي كان يَعدُ ضحيته بحياة مريحة فيها قسط من المتعة والراحة يختلف عن حياة الشقاء في ورش العرق والمستوطنات الزراعية. وكان القوادون دعامة المسرح اليديشي وحياة اللهو في المدن الأرجنتينية.

وترتبط أمريكا اللاتينية بتجربة يهودية في الاستيطان الزراعي (تجربة البارون هيرش) وهي تجربة لم يُقدَّر لها النجاح لأسباب كثيرة ومركبة.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثالث من المجلد الرابع