الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













العالم الإسلامي منذ انتشار الإسلام حتى سقوط بغداد على يد  المغول

The Islamic World from the Spread of Islam to the Moghul Sack of Baghdad

قبل تَناول الجوانب الإدارية والاقتصادية لوجود أعضاء الجماعة اليهودية في الدولة الإسلامية، قد يكون من المفيد أن نقول إن الحضارة الإسلامية، شأنها شأن معظم الحضارات الشرقية القديمة، تقبل التنوع وعدم التجانس بدرجة أعلى من الحضارة الغربية. فالإمبراطوريات الشرقية كانت تسود فيها إحدى الجماعات الإثنية، ولكنها لم تكن تستوعب الجماعات الأخرى، وإنما كانت تحدِّد حقوقها وحدودها وواجباتها وحسب. وكانت الجماعة السائدة تُعرِّف هويتها، في العادة، من المنظــورين الإثني والديني. أما الجمـاعة السـائدة في الدولة الإسلامية، فقد عرفت نفسها (من الناحية النظرية) على أساس ديني وحسب، وهو أمر يشكل انفتاحاً كبيراً ويحقق فرصاً أكبر للحراك الاجتماعي وللانتماء. ومن المهم أن نشير إلى أن الإسلام أكد وحدة الأديان (على الأقل من الناحية النظرية والمثالية) وجعل إبراهيم أباً للموحِّدين، أباً لكل الأديان. ورغم الاصطدام الذي حدث بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) واليهود، فإن اليهود لم يتحولوا (في الرؤية الإسلامية للكون) إلى الآخر أو القتلة، كما حدث في المسيحية حين ارتبط اليهود بحادثة الصلب التي يشار إليها بعبارة «قتل الرب»، بل ظلوا أهل ذمة وأهل كتاب. بل يمكن القول بأن اليهود كانوا أحسن حظاً من المسيحيين إذ أن القوة المضادة للفتح الإسلامي كانت الدولة الفارسية (المجوسية) التي تم القضاء عليها بسرعة، ثم الدولة الرومانية الشرقية (المسيحية) التي استمرت الحرب معها سجالاً عدة قرون. ومعنى هذا أنه لم تكن هناك قوة يهودية دولية مضادة.

ويمكن القول أيضاً بأن مقدرة اليهود على التكيف مع الفتح الإسلامي كانت أعلى بكثير من قدرة الجماعات الأخرى. فلم يكن اليهود أغلبية، ولذا كانت عندهم المهارات المختلفة اللازمة للتعايش باعتبارهم أقلية داخل مجتمع تحكمه أغلبية منتصرة. وقد تَمكَّن فقهاء اليهود من تطويع القانون التلمودي حتى يتسنى لليهود التعايش بسهولة ويسر كأقلية ليس لها مركز ديني، وطوروا مقولة إن قانون الدولة هو القانون أو الشريعة، أي أن الأمور الدنيوية لا يحكمها القانون التلمودي وإنما قانون الدولة نفسها.

ولم يكن اليهود (ولا المسيحيون) عنصراً وافداً جديداً على المجتمع العربي الإسلامي، فجذورهم فيه قديمة حيث يعود تاريخ الجماعة اليهودية في بابل إلى أيام التهجير البابلي، كما انتقل مركز اليهود إلى بابل قبل الفتح الإسلامي بقرون.

وفي نهاية الأمر، لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة في العالم الإسلامي مثلما كانوا في أوربا المسيحية، وقد عرف الشرق الأدنى القديم عشرات الأقليات الدينية والإثنية التي كان على الإمبراطوريات القديمة تنظيم التعامل معها. وقد استمر الإسلام في تقاليد التسامح وتَقبُّل التنوع، ولم يجد اليهود أنفسهم يلعبون دور الغريب أو الآخر الذي تحيط به هالات ميتافيزيقية.

ومما يجدر ذكره أن اليهود، عند الفتح الإسلامي، لم يكونوا عنصراً واحداً متجانساً فقد كان هناك يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية (في الإســكندرية وفي أجـزاء أخرى من الدولة الرومانيـة الشرقية)، كما كان يوجد يهود يتحدثون الآرامية في الإمبراطورية الفارسية وفلسطين، وانضمت إليهم قبائل اليهود المستعربة التي طُردت من الجزيرة العربية ووُطنت خارجها. ومما له دلالته أن هذه القبائل لم تطلب توطينها في فلسطين أو في القدس. ومن المفارقات أن هذه المجموعة المستعربة كانت بمنزلة النواة العربية القوية التي ساعدت بقية الجماعات اليهودية على استيعاب اللغة والحضارة العربية. وعلى المستوى الديني، كانت اليهودية الحاخامية التلمودية قد فرضت سـيطرتها، وكانت المدرسـة البابليـة بالذات صاحبة السلطـة والشرعية. ولكن هذا لم يمنع وجود بعض الفرق اليهودية المختلفة، فيهود الجزيرة العربية كانوا لا يعرفون التلمود، ويبدو أنه كانت تُوجد بقايا للصدوقيين أو لفكرهم. كما كان هناك أيضاً اليهود السامريون (وقد شكل كل هؤلاء نواة حركة القرّائين فيما بعد). وكانت أغلبية يهود العالم يوجدون في المناطق التي فتحها المسلمون، ويشكلون نحو 1% من السكان في هذه المناطق، كما أن نسبتهم كانت أكبر في المدن.

ومع هذا، فمن الضروري إضافة أن التسامح والعدل كانا يسمان فترات الاستقرار والانتصار، كما كانت تتسم بهما سياسة الحكومات في وسط العالم الإسلامي. أما في فترات التراجع، حيث كان يخشى فيها المسلمون من الغزو الخارجي، وفي الأطراف (المغرب، إيران... إلخ) حيث كانت مهددة دائماً بالغزو؛ أي في الأمكنة والأزمنة التي تهتز فيها ثقة الأمة بنفسها وبمقدرتها، فإن التسامح لم يكن صفة ملازمة لسلوك الدولة، كما لم يكن العدل ديدنها بالضرورة، فكانت تَصدُر تشريعات خاصة للتمييز ضد الذميين في الزي وخلافه مما يتطلبه أمن الدولة. ولكن من المعروف أيضاً أن مثل هذه التشريعات صدرت في بعض الأحيان التي ازداد فيها التمازج والاندماج بين المسلمين والذميين، فكان الفقهاء الذين يخشون على الهوية الإسلامية أو على السلطة الإسلامية يطلبون استرجاع مثل هذه التشريعات، وكانت الدولة تؤيدهم في ذلك لأنه يسهّل عملية تسيير دفة الحكم، ولأسباب أخرى.

ويمكن القول بأن وضع اليهود السياسي والقانوني كان يشبه، من بعض الوجوه، وضعهم في الإمبراطوريات القديمة، وخصوصاً الإمبراطورية الفارسية الساسانية، في فترات ازدهارها. وقد استمرت المؤسسات الدينية والإدارية التي ظهرت إبّان عصر الإمبراطورية الساسانية حيث كان يتولى قيادة الجماعة رئيس يُسمَّى رأس الجالوت «المنفى» يختاره أعضاء الجماعة اليهودية بأنفسهم؛ له السلطة الكاملة على أبناء جماعته ويقوم بتنظيم العلاقات فيما بين أبناء الجماعة من ناحية وبينهم وبين الدولة من ناحية أخرى. وقد اعترف المسلمون بمنصب رأس الجالوت.

ومن الميزات الأساسية للجماعات اليهودية داخل المجتمعات الإسـلامية في تلك الفترة عدم وجـود تفرقة اقتصادية أو تمايز وظيفي مهم، بل كان اليهود يشاركون في معظم مجالات الحياة وفي كل المهن والحرف تقريباً. وكانت ملكية الأراضي مفتوحة أمامهم، كما أنهم تملكوا العقارات في كل أنحاء البلاد وتناقلوها عن طريق الوراثة أو عمليات البيع والشراء فيما بينهم وبين المسلمين دون أية مضايقات. وكان لهم مطلق الحرية في العمل التجاري بلا حدود. وكانت نقابات الحرفيين والمهنيين مفتوحة للجميع بغض النظر عن أي دين أو مذهب أو أصل. وقد شغل اليهود أعلى الوظائف الحكومية شريطة أن تكون الوظيفة ذات طابع تنفيذي ولا تعطي صاحبها سلطات تشريعية أو سياسية، ذلك أن الدولة الإسلامية كانت ترى أن مثل هذه الوظائف لابد أن يشغلها مسلم لاعتبارات أمنية.

ولكن، ورغم عدم وجود تمايز وظيفي، كان يجري استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي من بعض الوظائف الإستراتيجية بحكم انتمائهم إلى أقلية، فكان معظم الذميين يعملون في الدرجات الدنيا والوسطى، ولم يصل إلى الدرجات أو المراتب العليا إلا نسبة صغيرة، إذ كانت هذه الوظائف مقصورة على المسلمين أو على من اعتنق الإسلام من الذميين. وقد تَركَّز اليهود أيضاً في الوظائف والمهن التي تتطلب التعامل مع غير المسـلمين مثل التجـارة الدوليـة والجاسـوسـية والدبلوماسـية والترجمة. كما أن المجتمعـات التقليدية، رغبةً منها في تسهيل عملية الإدارة  ونقل الخبرة، كانت تركز بعض الوظائف والمهن في أسر وأقليات معيَّنة، بحيث تصبح هذه الأسر أو الأقليات جماعات وظيفية. ويُلاحَظ تركز اليهود في التجارة والمال والحرف مثل: الصباغة والدباغة ونسج الحرير، وفي بعض الحرف الوضيعة مثل: جمع القمامة وتنظيف البالوعات وتجفيف مخلفات المجاري لاستعمالها كوقود. كما كانوا يعملون أيضاً جزارين ومنفذين لأحكام الإعدام. وكانوا يعملون في بعض الحرف المتميِّزة،مثل:الطب والترجمة والكتابة.وتبين وثائق جنيزة القاهرة التي تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي أن اليهود كانوا يعملون في أربعمائة وخمسين مهنـة وحرفـة، منها مائتان وخمسـون حرفة يدوية لم تكن بالضرورة وضيعة.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الرابع