الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













الرومــــــان

The Romans

«الرومان» قوم ظهروا في مدينة روما التي أُسِّست في القرن الثاني قبل الميلاد، وأسَّسوا إمبراطورية مترامية الأطراف ضمَّت معظم بلاد البحر الأبيض المتوسط ومنها فلسطين ومصر وأحياناً أجزاء من بلاد الرافدين، كما ضمَّت أغلبية يهود العالم في ذلك الوقت في معظم أماكن تجمُّعهم، في فلسطين ومصر وبرقة (ليبيا) وقبرص وآسيا الصغرى. ولم يكن هناك تجمُّع يهودي كبير خارج هيمنتهم سوى تجمُّع بابل.

وقد بدأ احتكاك اليهود بالرومان حين اتصل بهم يهودا الحشموني أثناء التمرد الحشموني في محاولة للحصول على تأييدهم. وبالفعل، وُقِّعت معاهدة بين الطرفين عام 161 ق.م اعترفت روما بمقتضاها بالقوة الحشمونية. وحينما وصل بومبي عام 65 ق.م إلى سوريا، تولَّى حسم النزاع بين اثنين من أبناء الأسرة الحشمونية (هيركانوس الثاني وأرسطوبولوس الثاني) في صراعهما على عرش يهودا الحشمونية، فأيَّد هيركانوس الثاني وعيَّنه ملكاً على أن يدفع الجزية لروما، وسحق تمرد أرسطوبولوس ودخل القدس عام 63 ق.م.

وقد أصبح الرومان منذ ذلك التاريخ القوة الأساسية في منطقة الشرق الأدنى القديم. وأصبحت مقاطعة يهودا وحدة سياسية ذات استقلال محدود وتابعة لحاكم سوريا الروماني وأصبحت تُدعَى «يوديا». ولم تكن المنطقة الساحلية من هذه المقاطعة تابعة لها، كما لم يكن لها أي ممرّ إلى البحر، وقد فُصلت عنها أجزاء من أدوم والسامرة، وأصبحت المدن المؤغرَقة مستقلة عنها. وحينما عُيِّن هيركانوس الثاني ملكاً، فإنه كان يحكم وحدة سياسية لا تشكل رقعة جغرافية متصلة. وقد خضعت فلسطين للحكم المباشر لنائب قنصل يتمتع بسلطات تجنيد الجيوش والاشتراك في الحرب. وكان أول نائب قنصل هو أولوس جابينوس (57 - 55 ق.م) الذي أنقص حيِّز الإدارة الذاتية لليهود بتجريد الكاهن الأعظم هيركانوس الثاني الحشموني من رتبة الملكية وفرض ضرائب ثقيلة على السـكان، كما قسم المقاطعة إلى خمسـة أقاليم يحكم كلاًّ منها سنهدرين أصغر. وأعاد بناء المدن السورية المؤغرقة التي كان الحشمونيون قد دمروها مثل السامرة وبيسان وغزة. ثم عهد الرومان بحكم فلسطين إلى صديقهم وصنيعتهم هيرود (37 ق.م ـ 4م)، ولكنها وضعت تحت حكم روما مباشرة بعد موته. وكان أوغسطس يرى أن فلسطين غير مهمة ولا تستحق أن توضع فيها فرقة عسكرية كاملة (باللاتينية: ليجيو legio)، فاكتفى بوضع فرقة مساعدة (باللاتينية: أوكيزليوم auxilium). وبدلاً من نائب القنصل، أصبح الحاكم بمرتبة «بريفكتوس prefectus»، وهو الذي كان يُقال له أيضاً «بروكيوراتور procurotor» وتعني حرفياً «الوكيل المالي». وقد ساد الهدوء بشكل عام في السنوات الأربعين الأولى بعد ميلاد المسيح بسبب قوة الحكم الروماني واستقراره، ولأن الحكام الرومان تركوا اليهود وشأنهم.

وكان البناء الطبقي في المجتمع الفلسطيني لا يختلف عما كان عليه أيام البطالمة والسلوقيين، فكان ينقسم أساساً إلى جماعة وظيفية وسيطة محلية تضم الأثرياء من الملتزمين وكبار التجار وكبار ملاك الأراضي وكبار الكهنة، وكانت جماعة متأغرقة تماماً، وطبقات شعبية ذات طابع آرامي سامي لم تتم أغرقتها أو تأغرقت بشكل سطحي، كانت تضم المعدمين والفلاحين وصغار الملاك وبعض الحرفيين وصغار التجار وجماعات الكتبة وصغار الكهنة. ورغم انتشار ظاهرة المزارع الكبيرة في الإمبراطورية الرومانية على نطاق واسع، فإن شكل الملكية في فلسطين ظل بشكل أساسي الملكية الزراعية الصغيرة. ويُلاحَظ في هذه الفترة زيادة استقطاب المجتمع اليهودي، الأمر الذي تمثل في تَصاعُد الصراع بين الصـدوقيين والفريسـيين الذين أصـبحت لهم أغـلبية داخـل السنهدرين.

ولم يَدُم السلام الاجتماعي والتوازن الدقيق الذي فرضه الرومان، بل تفاقمت الأمور حينما طلب الإمبراطور كاليجولا (37 ـ41م) أن يوضع تمثاله في الهيكل. ولكن الحاكم الروماني تَعمَّد تأخير تنفيذ الأمر الإمبراطوري بعض الوقت حتى اغتيل الإمبراطور. وأعاد الإمبراطور كلوديوس الأسرة الهيرودية إلى الحكم، وأصدر بياناً يؤكد فيه حقوق اليهود كقوم (إثنوس) لهم شعائرهم التقليدية التي يجب احترامها، وعيَّن أجريبا الأول حاكماً (41 ـ 44م). ولكن فترة حكمه كانت قصيرة، فعادت فلسطين إلى ما كانت عليه. وشهدت هذه الفترة تدهوراً اقتصادياً. وزادت البطالة، وخصوصاً بعد تَوقُّف عمليات البناء التي قام بها هيرود. واتضحت معالم الاستقطاب الطبقي في المجتمع في فلسطين بين اليهود، إذ بدأت تظهر جماعات الغيورين، وعصبة الخناجر التي كانت تتبنى فلسفة اجتماعية متطرفة وتلجأ إلى الإرهاب. ثم نشب التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م)، وهو تمرُّد يعود إلى عدد من الأسباب المركبة المتصلة بالوضع المحلي في فلسطين والوضع الدولي في الإمـبراطورية. وقد أخمد تيتـوس هـذا التمرد فحـاصر القدس. وحين سقطت في يده، قام بتحطيم الهيكل عام 70م وحمل معه أوانيه إلى روما. وتَقرَّر أن يستمر اليهود في دفع نصف الشيكل التي كانت تُدفَع للهيكل على أن تُحوَّل إلى معبد جوبيتر كابيتولينوس وتُسمَّى «فيسكوس جودايكوس» أي الضريبة اليهودية. ولكن الرومان لم يسحبوا اعترافهم باليهودية كدين مستقل، ولذا فقد أُعفى اليهود من عبادة الإمبراطور والواجبات الأخرى المفروضة على غير اليهود. ومع اختفاء الهيكل، اختفى الصدوقيون والأسينيون، واستمر التيار الفريسي وحده في يفنه.

وبعد فترة من الهدوء، تجددت التمردات اليهودية في أطراف الإمبراطورية كافة، في بابل وبرقة والإسكندرية وقبرص (114 ـ 117م)، فأخمدها تراجان وقضى على بضعة آلاف من اليهود وعلى التجمعات اليهودية التي شاركت في التمرد. ولكن السخط اليهودي ظل مستمراً. وقام التمرد اليهودي الثاني عام 132م بقيادة بركوخبا الذي قضت عليه القوات الإمبراطورية في عهد هادريان بعد أقل من ثلاث سنوات، حيث أصدر أمراً بهدم القدس، وحرم اليهودية في مقاطعة يهودا الرومانية (وإن سمح باستمرار السنهدرين في منطقة الجليل).

ويُلاحَظ أن هـذه الحروب لم تكن موجهـة ضد اليهـود كقـوم (إثنوس)، ولم تكن تستهدف تحطيمهم، وإنما كانت تهدف إلى قمع التمرد وحسـب. والواقـع أن التمردات في ذاتها لم تكـن ذات طابع قومي، وإنما كانت تمردات ذات طابع طبقي اجتماعي ثقافي. ولذا، حينما منح كاركالا المواطنة لسكان الإمبراطورية كافة عام 212م، لم يستثن اليهود من ذلك بل سمح لهم بالعودة للقدس، ومع ذلك لم تَعُد منهم أعداد تُذكَر. ومع أنه كان يتعيَّن عليهم الاستمرار في إرسال الضريبة اليهودية (فيسكوس جودايكوس)، لم يُسمَح لهم بالقيام بنشاط تبشيري أو بزيارة القدس. وفي هذه الفترة، ظهرت مؤسسة البطريركية، وتَرأّس اليهود أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك)، وبدأ جمع التلمود الفلسطيني.

أما يهود الإسكندرية، فقد تحولوا عن ولائهم للبطالمة وساعدوا الغـزاة الرومان. وقد التصـقت الجماعـة اليهـودية بالطبقة الحاكمة الجديدة، وأصبح أمنهم يتوقف على وجود حكومة مركزية قوية تحميهم من الغضب المتزايد للجماهير اليونانية التي فقدت كثيراً من مكانتها بعد أن أصبحت الإسكندرية مجرد مدينة محتلة لا عاصمة مهمة. وقد استفاد اليهود من الوضع الجديد إذ تمتعوا عن طريق الاحتلال بالحقوق العامة التي كانت الدولة الرومانية تمنحهم إياها، فأصبح من حقهم التمتع بحرية العبادة وممارسة عاداتهم كقوم (إثنوس). ومع هذا، قرر أوغسطوس (27 ـ 14 ق.م) الاعتماد على العنصر اليوناني كعنصر وسيط، وهو ما تسبَّب في اتساع الهوة بين اليهود واليونان في الإسكندرية وأدَّى إلى تَدهور وضعهم الاقتصادي. وقد سرح أوغسطوس الجيش البطلمي وألغى النظام البطلمي لجمع الضرائب، فأدَّى ذلك إلى انهيار وضع اليهود الاقتصادي لأنهم كانوا مرتبطين بالمهنتين، وخصوصاً أنه لم يُسمَح لهم كمرتزقة بالانخراط في سلك الجندية إلا إذا تخلوا عن دينهم. ولكن هناك من الدلائل ما يشير إلى أن أعداداً منهم عملت في هاتين الوظيفتين بنسبة أقل من ذي قبل. ويقول ديورانت: "إن اليهود كانوا يمتلكون نصف سفن الإسكندرية في ذلك الوقت".

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد الرابع