الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعـات اليهودية

History of the Hebrews, and Histories of the Jewish Communities

نستخدم عبارة «تاريخ العبرانيين» و«تواريخ الجماعات اليهودية» للإشارة إلي التواريخ الدنيوية والإنسانية للعبرانيين والجماعات اليهودية، بدلاً من مصطلح «التاريخ اليهودي». وهذه التواريخ تختلف عن تاريخ العقيدة اليهودية بكل مدارسها واتجاهاتها وشيعها وفرقها، كما أنها ليست ذات علاقة كبيرة بالتاريخ المقدَّس أو التوراتي. وسنحاول تقديم مخطَّط عام يتسم بشيء من التبسيط والتجريد لتواريخ الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. وبإمكان القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة للاستزادة. وقد استبعدنا كثيراً من الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود كايفنج في الصين، ويهود الخزر، وغيرهم من الجماعات، وذلك من أجل التبسيط (كما هو الحال دائماً مع أي مخطَّط تاريخي موجز). هذا رغم أن تواريخ هذه الجماعات يدعم وجهة نظرنا الرافضة لفكرة التاريخ اليهودي المُوحَّد. وفي المخطَّط المقترح، نؤكد في تواريخ الجماعات تلك العناصر التي تُفسِّر ظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا أو ظهور الحركة الصهيونية أو المُستوطَن الصهيوني. ويعود هذا إلى أسباب عديدة من بينها أن الصهيونية والمستوطَن الصهيوني قد نجحا في فرض وجودهما بحيث أصبحا الحقيقة الأساسية والمحورية بالنسبة لكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وينطبق هذا على مؤيدي الصهيونية انطباقه على مناهضيها. ويحاول هذا المخطَّط أن يبتعد عن المصطلحات الدينية أو العقائدية، مثل «ما قبل سقوط الهيكل»، إما باستبعادها أو باستبدال مصطلحات أكثر حياداً بها أو بوضعها داخل إطار التاريخ العـالمي. ولكننـا، على أيـة حـال، لـم نسـتبعد الدين باعتباره أحد الأبعاد المهمة للتجارب التاريخية لأعضاء الجماعات.

وقد تم تقسيم هذه التواريخ إلى قسمين أساسيين (تاريخ العبرانيين ـ وتواريخ الجماعات اليهودية)، ثم تم تقسيم كل قسم إلى عدة مراحل وقُسِّمت بعض المراحل إلى عدة فترات:

أولاً: تاريخ العبرانيين (جماعة يسرائيل):

1 ـ المرحلة السامية السديمية: وهي المرحلة التي شهدت الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية أو صحراء الشام إلى بلاد الرافدين والشام، ويمكن تقسيمها إلى:

أ)   فــترة الآبــاء (2100 ـ 1200 ق.م): هجرة إبراهــيم (1996 أو 1800 ق.م) إلى فلسـطين، ثم هجرة يعقوب ثم يوســف إلى مصر عـام 1720 ق.م.

ولا يُعرَف سوى القليل عن التنظيم الاجتماعي والسياسي للعبرانيين في هذه الفترة، أو عن إنجازاتهم الحضارية إن وجدت. ومع هذا، يبدو أنهم كانوا من البدو الرُحل الذين يعيشون على أطراف المدن ويتنقلون على الطرق الأساسية للتجارة. وأكثر الظن أن قياداتهم السياسية كانت بدوية هي الأخرى، كما أن عباداتهم لم تكن تختلف كثيراً عن العبادات السامية المنتشرة في منطقة الشرق الأدنى القديم حيث يرتبط الإله بالقوم الذين يعبدونه ويكون مقصوراً عليهم. ونحن نشير إلى اليهودية في هذه المرحلة بعبارة «عبادة يسرائيل» التي تطورت لتصبح «العبادة القربانية المركزية» مع تأسيس هيكل سليمان، ولهذا فإننا نشير إلى العبرانيين من حيث كونهم جماعة دينية، بمصطلح «جماعة يسرائيل»).

ب)  فترة القضاة: وتبدأ بخروج موسى من مصر أمام جيش فرعون عام 1275 ق.م ووصوله إلى سيناء. ثم يأتي بعد ذلك التسلل العبراني إلى كنعان (1250 - 1200 ق.م) تحت قيادة يوشع بن نون ومحاولة الاستيطان فيها، والحرب ضد الفلستيين الذين حققوا نصرهم على العبرانيين عام 1050 ق.م، ثم انسحبوا بالتدريج واقتصروا على ساحل فلسطين الغربي. ولقد كانت القيادة السياسية في هذه الفترة قَبَلية تظهر عند الحاجة إليها وحسب. وكانت أواصر التضامن بين العبرانيين واهية حيث كانوا لا يزالون مجموعة من القبائل. ولا يمكن الحديث عن أية منجزات حضارية عبرانية مستقلة في تلك الفترة. وقد ظهرت عبادة يهوه أثناء فترة سيناء. ولكن العبرانيين تأثروا، بعد دخولهم إلى كنعان بالعبادات الكنعانية المختلفة، فعبدوا آلهه كنعان نظراً لاندماجهم بالسكان. ولا توجد مصادر كافية عن هذه المرحلة السديمية، بل يقترب فيها التاريخ من الأسطورة، فيلجأ المؤرخون إلى الحدس والتخمين كما هو الحال مع مشكلة الخابيرو.

وقبل أن ننتقل إلى المراحل التالية، مثل مرحلة الإمبراطوريات وغيرها، يجب أن ننبه إلى أن هذه المرحلة جزء من كلٍّ أكبر سنطلق عليه المرحلة التقليدية وهي التي استمرت حتى الثورة الصناعية والإعتاق والانعتاق.

والواقع أن المجتمعات التقليدية كانت تتسم بلامركزيتها الإدارية المتفاوتة، ويُلاحَظ في الوقت نفسه أن النخبة الحاكمة كانت تعتمد في إدارة المناطق التابعة لها على إدارات محلية بحيث تصبح لكل طائفة دينية أو إثنية أو لكل إقليم إدارته شبه المستقلة. كما أن حكومات المجتمعات التقليدية لم تكن تبحث عن الولاء الكامل والانتماء المطلق على طريقة الدولة القومية الحديثة، إذ كان يكفيها أن تدفع الشعوب والأقليات والأقاليم التابعة لها الضرائب، التعبير الواضح عن التبعية وثمرته الحقيقية. وقد كانت الإدارات المحلية هي التي تقوم بهذه الوظيفة نيابة عن الإدارة العليا ولصالحها. وقد أدَّى ذلك إلى احتفاظ كل الطوائف بهويتها متمثلة في كتبها المقدَّسة ورموزها ومحاكمها، إذ أن السلطات المركزية كانت عادةً تشجع هذه الهوية وتحافظ عليها لأنها تُيسِّر لها تسيير دفة الحكم. وقد استمر هذا الإطار الإداري سائداً في العالم بدرجات متفاوتة حتى القرن التاسع عشر حين انفجرت الثورة الصناعية الرأسمالية وظهرت الحكومات القومية التي كانت تتسم بالمركزية والهيمنة على السوق المحلية والتي طلبت من الجميع الولاء لها وحدها. ومن هذه النقطة بدأت التجارب التاريخية للجماعات اليهودية في الغرب، ثم في بقية العالم، تأخذ شكلاً جديداً، كما بدأ أعضاء الجماعات اليهودية يواجهون مشاكل من نوع جديد لم يواجهوها من قبل، مثل الاندماج والزواج المُختلَط، أو لعلهم لم يواجهوها بنفس الحدة والكثرة. ولذا، يمكننا أن نتجاوز التقسيمات التاريخية المقترحة كافة ونتحدث عن إطارين أساسيين هما: ما قبل الثورة الصناعية وما بعد الثورة الصناعية، مع العلم بأن كثيراً من المؤرخين يتبعون هذا الرأي.

2 ـ  مرحلة الإمبراطوريات القديمة (آشور، بابل، الفرس، اليونان، الرومان) والاستقلال الذاتي المحدود للشعوب. ويمكن تقسيمها بدورها إلى الفترات التالية:

أ)   الفترة الآشورية والبابلية والمصرية: وتضم عهد الملوك (1020 ـ 586 ق.م) ابتـداءً من داود وسـليمان، ثم انقسام المملكة العبرانية المتحدة، وانتهاءً بالتهجير الآشوري والبابلي. وتمثلت القيادة السياسية في تلك الفترة في الملك (الكاهن الأعظم) يسانده الكهنة وقواد الجيش، كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم والحلوليات الوثنية. ومع هذا، لم تكن المؤسسة الملكية مستقرة بسبب قوة النزاعات القَبَلية. وقد يكون من الأفضل الحديث عن اتحاد القبائل في المملكة المتحدة، فأكبر دليل على أن النزعة القَبَلية كانت في حالة كمون وحسب أثناء حكم داود وسليمان هو ظهورها بعد موت سليمان مباشرةً، الأمر الذي أدَّى إلى انحلال المملكة المتحدة ثم حدوث التناحر بين الدويلتين العبرانيتين، وهو التناحر الذي لم ينته إلا مع التهجير الآشوري ثم البابلي. وكانت منجزات العبرانيين الحضارية في ذلك الوقت ضعيفة ومتأثرة بمن حولهم. وينحصر هذا الإنجاز في العهد القديم المتأثر بالنصوص والتشريعات في الشرق الأدنى القديم. وبظهور الأنبياء، يبدأ التوتر الذي يسم تاريخ العبرانيين بين التوجه الديني العالمي والتوجه الإثني المحلي للإله، إذ يقف معظم الأنبياء إلى جانب عبادة يهوه والتوحيد ويتبنون نزعة عالمية أخلاقية تساوي بين العبرانيين والأقوام كافة. ولم تكن هناك هجرة تُذكَر بين صفوف العبرانيين رغم أن بعض الملوك العبرانيين كانوا يبادلون ملوك مصر فيعطونهم المحاربين المرتزقة من اليهود نظير الحصول على أحصنة. وكان هـؤلاء المرتزقة يوطَّنون جــزيرة إلفنتاين عـلى حـدود مصر الجنوبية، وبذا تكون حامية إلفنتاين أول دياسبورا يهودية أو أول انتشار لليهود خارج فلسطين بعد التسلل الكنعاني، وكذلك أول جماعة وظيفية يهودية.

تالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد الرابع