|
ولكن مشكلة التقسيم البسيط هي أن الصهيونية تكتسب شرعيتها من افتراض وجود هذا التاريخ اليهودي ومن تعبيرها عنه. ولكن التاريخ اليهودي هو أساساً نتاج انتشار اليهود في كثير من بلاد العالم، أي نتاج وجود الجماعات اليهودية في الدياسبورا أو المنفى، أي وجودهم في أنحاء العالم خارج فلسطين. ومن يتقبل نموذج التاريخ اليهودي يتقبل أيضا وجود اليهود في المنفى كحقيقة أساسية، لأن حالة المنفى جـزء لا يتـجزأ من البنـاء التاريخي اليهودي الذي يفترض الصهاينة وجوده. وتعبِّر الكتابات الصهيونية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تمجد هذا التاريخ اليهودي تمجيداً لا حد له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ اليهودي الحقيقي. ولكن الصهاينة، سواء في تمجيدهم الدياسبورا أو هجومهم عليها، يفترضون، في كل الأحوال، وجود تاريخ يهودي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش اليهود بين ظهرانيها.
والحديث عن التاريخ اليهودي، مثل الحديث عن «الأدب اليهودي» و«الشخصية اليهودية» وغير ذلك، يفترض أن العنصر الأساسي الذي يحرك اليهودي ويشكل شخصيته هو أساساً إيمانه بالدين اليهودي أو انتماؤه إلى التراث اليهودي. وفي هذا تقليل من شـأن اليهود، وتضـييق لإنسـانيتهم ومسـاهمتهم في الحضـارة البشرية. فاليهودي، مثله مثل أي إنسان آخر، ظاهرة مركبة، تحركه عناصر متشابكة، بعضها ملموس ومحدَّد وبعضها غير ملموس وغير محدَّد، وليس مجرد عنصر واحد كما يتصور الصهاينة. وبالإضافة الى ذلك، فإن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي المسـتقل هو في نهاية الأمـر إيمان بأن اليهود موجـودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي هو في جوهره عودة إلى الرؤية اليهودية القديمة الحلولية الواحدية التي فشلت في رؤية الفارق بين المقدَّس والنسبي، وبين الإلهي والتاريخي، فألغت كل الثنائيات وسدت كل المسافات.
وكما بيَّنا من قبل، لعب تراث الصهاينة الحلولي دوراً كبيراً في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي اليهودي المنفصل. كما أن تجربة الصهاينة الضيقة ذاتها، والمستمدة أساساً من وجود يهود شرق أوربا كجماعة وظيفية، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الصهيونية.
|