|
وعملية الكبت هذه هي نفسها عملية لا شعورية. وكلما حاولت هذه المشاعر الظهور في منطقة الشعور فإنها تُواجَه بمقاومة كبيرة. فمحاولة جعلها شعورية لا تتحقق إلا بصعوبة بالغة وبطرق عديدة. واللاشعور من ثم هو منطقة اختزان الذكريات، المؤلم منها والمخجل، والمشكلات الناجمة عن الدوافع المتعارضة التي يتعذر حلها. ويؤثِّر اللاشعور في سلوكنا اليومي ويوجهه، رغم أنه يقع خارج مجال شعورنا وإرادتنا. فالرغبات اللاشعورية أشد قوة وأعمق أثراً من الاتجاهات والمشاعر الشعورية.
2 ـ الشعور (الوعي): مستودع الإحساسات والأفكار القادمة من العالم الخارجي أو تلك القادمة من عالم الوعي، والشعور يمثل الجانب السطحي للشخصية، والمستوى الظاهر لها.
3 ـ ما قبل الشعور: مستودع الإحساسات والأفكار التي كانت شعورية منذ فترة وتم اختزالها ومن ثم بوسع الشخص تَذكُّرها حسب إرادته، ولكنها لم تكن في وعيه وانتباهه طوال الوقت. وهذا الجزء هو مُستقَر الذكريات ومستودع اللغة والأفكار المتداولة والشائعة وما يتعلمه الإنسان وخبراته السابقة.
ويظهر التقسيم الثلاثي مرة أخرى في تقسيم الجهاز النفسي إلى الهو والأنا والأنا العليا:
1 ـ الهو (باللاتينية: إيد Id): وهو البُعد البيولوجي في الشخصية ومستودع الغرائز ويمثل كل ما هو موروث وموجود في البدن. وتحوي الهو الفوضى والظلام والطيش واللاشعور، وهي قوة مجهولة لا يُسبَر لها غور. والهو لا تتحمل التوتر وتبحث عن الإشباع بغض النظر عن الظروف المحيطة، وتتحرك حسب مبدأ اللذة ومحاولة تقليل التوتر. ولا علاقة للهو بالعالم الخارجي وهو غير متكيف مع المجتمع فهـو لا يعـرف القـيم أو الخير أو الشـر أو الأخلاق. والهو لاشعوري ويسعى للتعبير عن نفسه على نحو غير مباشر، فمثلاً الأحلام وهفوات اللسان تجليات مُقنَّعة لمضمونات لاشعورية أفلتت من الأنا وصارت علنية ولا تخضع إلا لما أسماه فرويد «مبدأ اللذة».
2 ـ الأنا (باللاتينية: إيجو Ego): وهو المكون النفسي الذي ينمو من الهو تحت تأثير البيئة ويمثل الأنا الشعور والعقل والنور. والأنا هو الجزء من الشخصية الذي يَنشُد العثور على مخارج واقعية لدوافع الهو فيقوم بإشباعها أو كفها أو تأجيلها تبعاً لما يمليه الواقع الخارجي. وفي الوقت نفسه يؤمِّـن الأنا الشخص من الوقوع في نزاع مع محيطه ويجنبه التجارب الأليمة، وهو مصدر ضبط النفس ووسيلة التكيف مع المحيط. ويتوهم الأنا (الشعور) أنه يستجيب للعالم الخارجي وفق معارف صادقة أو ما يسميه فرويد «مبدأ الواقع». ولكن فرويد يذهب إلى أن هذا إن هو إلا خداع للذات، فالأنا تظن أن سلوكها يتحكم فيه العقل والمعرفة إلا أنها تأتمر في واقع الأمر بأوامر الهو وغريزتي الجنس (إيروس) والموت (ثناتوس) وإن كان يتم هذا بشكل مقنَّع قد لا تدركه الأنا نفسها.
3 ـ الأنا الأعلى (باللاتينية: سوبر إيجو Superego): وهو المكون الاجتماعي والأخلاقي والحضاري وينمو من الأنا ووظيفته السعي إلى تحقيق الغايات والمُثُل العليا (الاجتماعية والأخلاقية والحضارية). ويبدأ تكوين الأنا الأعلى في الطفولة، فالطفل يسعى إلى تحقيق اللذة ويسترشـد في سـلوكه بمبدأ اللذة ويسـتجيب لدوافعـه وغرائزه بلا حدود. ولكن كلما كبر بدأ يدرك مبدأ الواقع فيتعلم قواعد السلوك التي يتلقاها من أبويه ومن خلال نظام المكافأة والعقاب. وبالتدريج يتكون الرقيب وهو المثل الأعلى الذي يستخلصه الأنا من بين الأوامر والنواهي التشريعية والأخلاقية والدينية ويتعلم كيف يضبط سلوكه بما يواجهه من حقائق فيحقق أكبر قدر من اللذة مع أقل ضرر ناجم عنها. وهكذا تتكون الأنا الأعلى التي توعز للأنا بكبح جماح الهو وتحثها على إحلال الأهداف الأخلاقية محل الدوافع الغريزية (ولذا فهي أقرب إلى ما نطلق عليه «الضمير»). ومع هذا يمكن القول بأن موقف فرويد تجاه الأنا الأعلى يتسم بالتأرجح بين نقطتين: فمن ناحية تظهر الأنا الأعلى كوسيلة لإعلاء الرغبات وتحقيق الأهداف الأخلاقية، ولكن من ناحية أخرى تظهر باعتبارها رقيباً صارماً يصادر الرغبات الجنسية الضرورية ويؤدي إلى شعور بالذنب لا مبرر له.
وقد أدمج فرويد الأنا في اللبيدو وأحل محلهما مفهوم الإيروس (الذي يُعبِّر عن نفسه من خلال غرائز حب الذات وحفظ النوع). ولزيادة تركيب الرؤية وضع فرويد الإيروس مقابل ما أسماه «ثناتوس» وهو عكس الحياة. وفي محاولته تفسير كنه ثناتوس (رغبة الموت والهدم) لا يقترب فرويد قط من العناصر الاجتماعية والتاريخية إذ يظل يدور في إطار الحلولية الكمونية المادية، فيحاول تفسير الثناتوس تفسيراً مادياً تطورياً حتى يبقى داخل نطاق النموذج المادي الواحدي الصارم. ولذا نجده في كتاب ما فوق مبدأ اللذة يذهب إلى أن المادة الحية العضوية تحتفظ داخلها بذكرى أصلها غير العضوي ولذا فهي تنزع إلى العودة إلى الأصل غير الحيوي. وأطلق على هذا مبدأ «إجبار التكرار»، أي الرغبة المحتومة في تكرار الحالة السكونية المتوازنة التي عاشتها المادة العضوية عندما كانت مادة غير عضوية (وكأن المادة تحوي داخلها سراً غير مُدرَك ومع هذا يدفعها هذا السر دفعاً، فهو تيلوس مادي حلولي تماماً). ويبدو أن الثناتوس سوف تنجح في النهاية في القيام بدورها وهو التحلل أو الموت الذي هو نهاية كل كائن حي. ومن ثم قال فرويد قولته الشهيرة: "إن هدف الحياة هو الموت"، وهي مقولة لا معنى لها بطبيعة الحال، إلا إذا كانت الإشارة إلى الموت البيولوجي، وهذا ما نعرفه جميعاً دون حاجة لفرويد. أما القول بأن الرغبة في الموت هو هدف الحياة فهو من لغو القـول الذي لا يفـسر شـيئاً والذي لا توجـد أية قرائن مادية أو عضوية عليه.
ورغم أن اللبيدو هو المحرك الأول في النظام الفرويدي إلا أنه يتحقق في الزمان من خلال متتالية ثابتة يمر بها كل الأفراد، لا تختلف كثيراً عن تلك المتتاليات التاريخية العديدة التي كان العقل الغربي قد أفرزها في القرن التاسع عشر. فهناك متتالية كونت: مرحلة دينية ـ مرحلة ميتافيزيقية ـ مرحلة وضعية. كما توجد متتالية ماركس: شيوعية بدائية ـ عبودية ـ إقطاع ـ رأسمالية ـ شيوعية. وكانت هذه المتتاليات تنتهي دائماً في لحظة تحقُّق النموذج، قمة التقدم ونهاية التاريخ والفردوس الأرضي، أي الحضارة الغربية الحديثة.
يشارك فرويد في فكرة المتتاليـة التاريخـية والمراحل الثابتـة ولكنه لا يشارك في النزعة الطوباوية. وقد حاول أن يُفسِّر نمو الشخصية الإنسانية من خلال نظرية نمو الغريزة الجنسية من عدد من «الغرائز المكوِّنة» (اللبيدو) التي تظهر لدى الطفل منذ الميلاد. ويذهب فرويد إلى أن الإنسان حيوان يُولَد عاجزاً تماماً يعتمد في بقائه على رعاية الأم والأب وأعضاء المجتمع الإنساني، وبدون هذه الرعاية فإن الطفل الإنساني يهلك. في هذه المرحلة يُلاحظ فرويد أن الطفل ليس ذاتاً متكاملة موحَّدة، وإنما هو حقل من القوى المتغيرة الحدود، ليست له هوية واضحة، والحدود بين الذات والموضوع ليست ثابتة. والطفل خاضع تماماً لمبدأ اللذة. لا يعرف الفرق بين الأجناس فهو ليـس بذات كما أنه لا جنس له (بالإنجليزية: أنجندرد سابجيكت ungendered subject). ويجد الطفل لذة جنسية في جسده وترتبط غرائزه الجنسية ببعض الأجزاء المعينة أو الأعضاء في الجسم. وهذه هي مرحلة الشهوية الذاتية (بالإنجليزية: أوتو إيروتيك auto-erotic). والطفل في هذه المرحلة لا يرى جسده باعتباره موضوعاً كاملاً. والغرض الأساسي من كل فعل يقوم به الإنسـان في هـذه المرحلة هو إشـباع الحاجات الحسـية وتحصيل أكبر لذة، أي تحقيق مبدأ اللذة. ثم يبدأ الطفل في النمو من خلال مراحل عدة هي في جوهرها ترتيب تدريجي للدوافع اللبيدية وإدراك متزايد لمبدأ الواقع. إذ سرعان ما يدرك الإنسان أيضاً وجود مبدأ الواقع ويصطدم به. وبالتالي يزداد الفعل الإنساني تركيباً، وبدلاً من تحقيق مبدأ اللذة وحسب، فإنه يحاول تحقيقه في إطار الاعتراف بمبدأ الواقع والحدود التي يفرضها على الذات، ومن ثم يحاول الإنسان تقليل الألم وتحاشي التوتر.

|