الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













ريمـــــون آرون (1905-1982)

Raymond Aron

عالم اجتماع وفيلسوف وكاتب فرنسي بارز. وُلد في باريس لعائلة فرنسية بورجوازية من المثقفين. ويُعتبر آرون ممثلاً لجيل المفكرين والسـياسيين الفرنسـيين اليهود، من أمثال ليون بلوم وبيير منديس فرانس، الذين عبَّرت أفكارهم وسياستهم عن التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية المختلفة داخل المجتمع الفرنسي بصفة خاصة والمجتمع الأوربي الأوسع بصفة عامة، والذين تحددت علاقتهم باليهودية ومواقفهم تجاه إسرائيل من خلال انتمائهم الفرنسي والأوربي بالدرجة الأولى.

تخرَّج آرون في مدرسة المعلمين العليا عام 1928، ثم قام بالتدريس في جامعات ألمانية وفرنسية. وعُيِّن عام 1955، أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة السوربون، وفي عام 1960 عُيِّن مديراً للدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل آرون مديراً لتحرير جريدة فرانس ليبر التي كانت تصدر في إنجلترا، واستمر في نشاطه الصحفي بعد الحرب حيث سـاهم، سواء بكتاباته أو بوصفه مديراً للتحرير، في الفيجارو، و الإكسبرس ، و المجلة الأوربية لعلم الاجتماع وغير ذلك من الدوريات. وتأثر آرون بالمفكرين الفينومولوجيين وبعلم الاجتماع الألماني (خصوصاً نظريات ماكس فيبر).

ويدور فكر آرون حول فكرة رئيسية: نفى ما هو خارج الوجود المادي أو ما يقع وراء نطاق الخبرة أو المعرفة، أي رفض أي تسام أو تجاوز، بما في ذلك ما يُسمَّى «الديانات العلمانية»، وهي الأيديولوجيات التي تطرح إمكانية أن يتجاوز الانسان الواقع المادي من خلال الإيمان بمطلق ما يوجد داخل الطبيعة مثل التقدم وحتميته. ومن ثم نجده يرفض أي نوع من الحتمية ويتبنى بدلاً من ذلك مفهوماً للتاريخ لا يخضع للقوانين ولكنه نتاج مزيج من الصدفة والضرورة.

وقد اهتم آرون بصفة خاصة بالمجتمع الصناعي الحديث، واعتبر أن العامل الرئيسي في تحديد وتفسير حركيات هذه المجتمعات ليس الصراع الطبقي بقدر ما هو الصراع والتنافس بين النظم السياسية. كما بيَّن وجود سمات مشتركة بين كل المجتمعات الصناعية تعود كلها إلى التكنولوجيا لا الأيديولوجيا وتنبع من روح الإبداع والتقدم التي تسود المجتمع الصناعي والتنظيم البيروقراطي الرشيد. ولذا، فهو من دعاة نظرية التلاقي، أي أن المجتمعات الصناعية (رأسمالية كانت أم اشتراكية) ستلتقي في نهاية الأمر.

وكان آرون من كبار دعاة الحرب الباردة. ففي الخمسينيات، تناول موضوع الحرب في العصر الحديث وأشار إلى أن عملية توازن الرعب قد قوَّضت رغبة الكثيرين في أن يفكروا في الحرب. فالحرب جزء من الحياة اليومية، وهي تصوغ المجتمع تماماً مثل الصناعة، ويجب أخذها جدياً في الاعتبار عند صياغة السياسة حتى ولو أدَّت هذه السياسة إلى هولوكوست نووية تنتج عنها إبادة الجنس البشري. وإن أحجم الإنسان عن مثل هذا التفكير وعن تقبُّل نتائجه فقد تخلى عن العقل الإنساني وعن مقدرته على التحكم في مصائرنا. وتناول آرون في كتاباته العديدة أيضاً العلاقات الدولية، وتناقضات الديموقراطية، والعلاقة الجدلية بين الديموقراطية والشمولية.

وأكد آرون انتماءه للثقافة والفكر والمجتمع الفرنسي كبُعد أساسي من أبعاد شخصيته وهويته. أما اليهودية، فلم تكن سوى رمز احتفظ به تعبيراً عن أصوله وجذوره العائلية دون نفيها. ورفض آرون مفهوم الشعب اليهودي واعتبر أن اليهود شكلوا على مر التاريخ جماعات متفرقة لا تجمعهم أرض أو لغة أو نظام سياسي واحد وأن ما يربطهم هو العقيدة والشعائر والممارسات الدينية. واعتبر أن ميلاد الصهيونية، ومن ثم إسرائيل، ارتبط بظهور القومية في المجتمع الأوربي الحديث في القرن التاسع عشر، وما صاحب ذلك من اتجاهات للاندماج ومعاداة اليهود. كما اعتبر أن ميلاد الصهيونية انعكاس لمدى قوة الأسطورة في التاريخ.

ونبعت مواقفه من قضايا الشرق الأوسط من رؤيته الغربية للأمور، ومن منطلق المصالح الفرنسية والغربية، أي أنها تخلو من أية أبعاد يهودية خاصة. وقد بدأ اهتمامه بالصراع العربي الإسرائيلي عام 1956 بعد أن ارتبط بالصراع بين الشرق والغرب، فأدان العدوان الثلاثي على مصر، كما أيَّد استقلال الجزائر إلا أنه أيَّد التحالف الإسرائيلي الفرنسي، وتضامن مع إسرائيل خلال حرب 1967 وكتب سلسلة من المقالات بعنوان ديجول وإسرائيل واليهود انتقد فيها إدانة ديجول لإسرائيل عقب حرب 1967 واعتبرها مثيرة ومشجعة للعناصر المعادية لليهود في المجتمع الفرنسي. إلا أنه حذر من استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية باعتبار أن ذلك سيؤدي حتماً إلى حرب جديدة، مثلما حدث بالفعل عام 1973.

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثالث