جــورج زيميـل (1858-1918)
Georg Simmel
يُعتبَر جورج زيميل مؤسِّس ما يُسمَّى «علم الاجتماع الشكلي»، وأحد رواد علم النفس الاجتماعي واتجاه التفاعلية الرمزية. كما يرتبط اسمه بعلم اجتماع الجماعات الصغيرة. وقد ظهرت معظم أعماله في شكل مقالات انطباعية، ولم تشمل أية معالجة منهجية شاملة للعلاقات الاجتماعية، ولعل هذا يعود للعناصر الثلاثة التالية:
1 ـ وُلد زيميل في وسط برلين في منتصف القرن التاسع عشر، أي أنه وُلد في مدينة كبيرة تخوض ثورة تجارية وصناعية واجتماعية، وفي بيئة حضرية لا تسمح للإنسان بالانتماء الكامل.
2 ـ وُلد زيميل لأب كان يهودياً ثم تنصَّر وأصبح كاثوليكياً مثله مثل كثير من يهود برلين في ذلك الوقت، ومات والد زيميل وهو بعد طفل، ويبدو أنه لم يكن على علاقة طيبة بأمه التي كانت يهودية وأصبحت بروتستانتية لوثرية، أي أن انتماءه الديني لم يكن واضحاً، وحياته العائلية لم تُزوِّده بالطمأنينة اللازمة، ورغم أنه تم تعميده إلا أنه فقد الإيمان الديني.
3 ـ درس زيميل الفلسفة والتاريخ في جامعة برلين على يد بعض أشهر الأساتذة في عصره. وبعد حصوله على الدكتوراه، استقر في برلين، ولكنه لم يعيَّن في جامعتها وإنما حصل على وظيفة أستاذ جامعي لا يتقاضى مرتباً ويعتمد على المصروفات التي يدفعها الطلبة للتسجيل في المادة المقررة.
ولا شك في أن العناصر الثلاثة السابقة جعلت منه شخصية هامشية تقف على حدود الأشياء دون أن تصبح جزءاً منها (كما هو الحال مع الغريب). وتأثر زيميل بمعظم التيارات الفكرية في عصره، فاستوعب نتائج الرؤية التطورية في فلسفة برجسون ونيتشه، كما تأثر بفلسفة كانط. ولعل نظريته في الأشكال الثابتة نسبياً وفي المضامين المتغيرة، هي نتاج التزاوج بين فلسفة كانط والرؤية التطورية الحيوية.
وانصب اهتمام زيميل في المرحلة الأولى من حياته الفكرية على الدراسات الفلسفية، فكتب دراسة عن كلٍّ من شوبنهاور ونيتشه، واهتم في آخر حياته بفلسفة الحضارة باعتبارها المجال الذي تمكَّن من خلاله من أن يناقش تحوُّل التجربة الإنسانية إلى ذرات متناثرة في مجتمع أدَّى تقسيم العمل فيه إلى ظهور أفراد متخصصين لا يمتلكون رؤية كلية للواقع.
ويذهب زيميل إلى أن من العسير فهم المجتمع باعتباره وحدة سوسيولوجية مستقلة عن عقول الأفراد. وأن من الخطأ كذلك أن نعتقد أن للأفراد وحدهم وجوداً واقعياً. فالمجتمع ـ في رأيه ـ يُوجَد من خلال الأفراد، والأفراد إن هم إلا ذرات اجتماعية (أي المادة التي يتكون منها المجتمع). المجتمع عند زيميل هو، إذن، وحدة موضوعية تتبدَّى من خلال العلاقات المتبادلة (التعاونية والصراعية) بين العناصر الإنسانية المختلفة في المجتمع (ويتضح هنا أثر كانط حين ذهب إلى أن الإنسان لا يُدرك الطبيعة بشكل مباشر، أي باعتبارها مادة محضة، وإنما يُدركها من خلال مقولات عقلية قَبْلية. وكذا المجتمع، فهو لا يتبدى بشكل مباشر وإنما من خلال الأشكال الثابتة التي تأخذ شكل علاقات).
ومهمة علم الاجتماع تحديد أشكال العلاقات الاجتماعية وتجريدها، وهي الأشكال التي تتسم بدرجة من الاستقرار النسبي وتتخذ شكلاً نمطياً يتميَّز عن المضمون أو المحتوى الذي يخضع للتغير المستمر. وتحليل هذه الأشكال أو الصور تحليلاً مجرداً وتحويلها إلى إطار تفسيري هو ـ حسب رؤية زيميل ـ جوهر الدراسة الاجتماعية إذ يقتضي دراسة البناء الواقعي للمجتمع. وتتضمن صور التنظيم المتشابهة (الأشكال الثابتة) محتويات مختلفة توجهها مصالح متضاربة، بينما المصالح الاجتماعية المتشابهة (المحتويات) تتحقق في أشكال مختلفة تماماً عن التنظيمات الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، نجد أن التفاعل داخل الأشكال الثنائية يختلف تماماً عن التفاعل داخل الأشكال الثلاثية، فالأشكال الثلاثية تسمح بتكوين إستراتيجيات مركبة للتحالف بغض النظر عن طبيعة المتحالفين الذين يشكلون المحتوى، أي أن من الممكن دراسة شكل التفاعل بدون الإشارة لمحتواه المتعيِّن، وهذا ما تعنيه عبارة «علم الاجتماع الشكلي»؛ إنه علم متجاوز للتعاقب التاريخي، ويركز على الأشكال الثابتة التي تتسم بقدر من التجاوز للزمان ولتنوع المحتوى، بمعنى أن شكلاً اجتماعياً ما يمكن دراسته من خلال محتويات (ظواهر) مختلفة منتقاة من مراحل تاريخية مختلفة. وقد كان زيميل مهتماً في المحل الأول بتحديد مهمة علم الاجتماع باعتبارها دراسة الصور الخاصة للمجتمع والأشكال أو الأنماط المتواترة له، مجردةً من محتوياتها المادية ومضامينها الخاصة. لكن هذا لا يعني أن الأشكال أصبحت من الأفكار الأفلاطونية الثابتة أو المطلقة، فالشكل (أو النمط أو البنية المجردة) لا وجود له خارج المحتوى الاجتماعي. وهو لا يُوجَد قط في حالة صافية، فالأشكال هي مفاهيم أو بنى تركيبية تحليلية تُضخِّم بعض جوانب الواقع لتُظهر شكل بعض العلاقات الخاصة في الواقع ولا تتحقق تحققاً كاملاً قط. ومع هذا، فلابد من استخدامها لفهم هذه العلاقات (وهي في هذا تشبه الأنماط أو النماذج المثالية عند فيبر).
وبالفعل، رصد زيميل مجموعة من الصور أو الأشكال أو الأنماط الاجتماعية، ومن أهـم هـذه الأشـكال أو الأنماط الاجتماعية نمط «الغريب». فالغريب ليس مجرد متجول يأتي اليوم ويذهب غداً، لا دور ولا مكان له في البنية، وإنما الغريب هو على العكس شخص يأتي اليوم ويبقى غداً ويتم تثبيته داخل جماعة مكانية محددة وتتحدد صفته باعتباره شخصاً غير منتم. فالغريب هو عنصر في الجماعة ولكنه ليس جزءاً منها، ولذا فله دور محدَّد ليس بإمكان أعضاء الجماعة أنفسهم أن يلعبوه. وبسبب وضعه هذا، وبسبب علاقته الخاصة مع الجماعة، فإنه قادر على الوصول إلى درجة من الموضوعية لا يستطيع أعضاء الجماعة أن يصلوا إليها. والغريب باعتبار أنه غير منتم، لا يشعر بأي التزام جذري تجاه المكونات الفريدة للجماعة ولا يشعر بأي احترام خاص تجاه توجهاتها الخاصة. ولذا، فإنه ينظر لها بموضوعية. وعلاوة على هذا، ونظراً لقربه وبُعده في آن واحد، فإن أعضاء الجماعة يمكنهم أن يجعلوه موضع ثقتهم وأن يسروا له بأسرارهم، وهي أسرار لا يمكن أن يدلوا بها لأحد أعضاء الجماعة، ذلك لأن الغريب لا يشكل أي تهديد لهم إن هو اطلع على خباياهم. ولهذا كله، بإمكان الغريب أن يكون قاضياً موضوعياً ووسيطاً محايداً في عملية تبادل السلع والعواطف. إن الغريب ليس غريباً لأنه خارجي، وإنما هو غريب بسبب علاقات التفاعل التي تربطه بالمجتمع، فهو مخلوق اجتماعي ويجب عليه أن يلعب دوره.
ومن الأشكال والأنماط الأخرى التي رصدها زيميل، نمط الأشكال الثنائية مقابل الأشكال الثلاثية، فالأشكال الثنائية لا تسمح للمشتركين في العلاقة بتجاوزها والوصول إلى مستوى موضوعي غير شخصي، ومن ثم لا تسمح بدرجة من القهر الخارجي البراني. ولكن غياب بنية موضوعية برانية في العلاقات الثنائية يؤدي إلى استيعاب المشتركين في علاقاتهم الثنائية هذه إذ أن العلاقة في كليتها تعتمد بشكل واضح وصريح على المشتركين فيها، ففي جميع أشكال العلاقات الأخرى يستطيع المشتركون فيها أن يفوضوا سلطاتهم وواجباتهم إلى طرف آخر. أما في العلاقة الثنائية، فإن كل شريك في العلاقة مسئول بشكل مباشر وشخصي وكامل عن كل شيء، كما لا يستطيع أي شريك أن يتملص من المسئولية ولا يمكنه إلقاء تبعة فشل ما على «المجموع» أو على «الكل» لأنه لا يتعامل إلا مع شخص واحد في إطار العلاقة الثنائية.
|