ليو ستراوس (1889-1973)
Leo Strauss
فيلسوف وعالم سياسي ألماني أمريكي يهودي. وُلد في ألمانيا، واشتغل عام 1925 في أكاديمية البحوث اليهودية في برلين. ومع صعود النازي إلى السلطة، هاجر ستراوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بالتدريس في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك في الفترة بين عامي 1938 و1949 ثم في جامعة شيكاغو عام 1968.
وفي أعماله يتناول ستراوس الفكر السياسي الغربي بالنقد والتحليل، ويهتم بشكل خاص بقضية الخلاف بين فكر القدماء وفكر المحدَثين، وقضية الخلاف بين الفلسفة والدين. وقد قاده ذلك إلى دراسة وتحليل نصوص القدماء والبحث عن كيفية استيعاب المفكرين والكتاب اليهود والمسلمين خلال العصور الوسطى للفلسفة اليونانية. وتبنَّى ستراوس نهجاً في دراسته يهدف إلى تفسير النَّص وفقاً لمفهوم المؤلف نفسـه للنَّص، وهـو في ذلك يؤكد أهمـية وقيمـة النَّص في ذاته، ولكنه يرفض المنهج التاريخي الذي يسعى إلى تفسير وتأويل النصوص على ضوء اعتبارات نفسية واجتماعية خارجية، كما يرفض اسـتخدام المعايير والمفاهيم الحديثة في تفسير النصوص القديمة. ولذلك، عمل ستراوس على محاولة تفسير النصوص واستخلاص معانيها الكامنة من خلال تحليل بنيانها وفهم أسلوب المؤلف في الكتابة. وقام بالتمييز بين المعنى البسيط أو الخارجي للنص والمعنى الخفي المركب الكامن بداخله، وهو تمييز ظل متَّبعاً منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر حيث كان كثير من الكتاب والفلاسفة يخفون آراءهم الحقيقية والمخالفة للمعتقدات الدينية والسياسية السائدة وراء ستار من اللغة والأساليب الأدبية التي لا تبدو مخالفة في ظاهرها. ولذلك، يجب أن يسعى تحليل وتفسير نصوص القدماء إلى استخلاص المفاهيم والمعاني الكامنة وراء السطور. وفي كتابه الاضطهاد وفن الكتابة (1952) يبيِّن ستراوس، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي وإسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية « القرّاءة بين السطور». ويتناول الموضوع نفسه في كتابه كيفية دراسة كتاب دلالة الحائرين (لموسى بن ميمون) الذي يعطي الباحثين والدارسين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته حول فكر إسبينوزا نقد إسبينوزا للدين الصادرة عام 1930 بداية في هذا الاتجاه.
ومن خلال تحليله ودراسته نصوص وفكر القدماء، عمل ستراوس على إبراز قيمة الفكر السياسي الكلاسيكي بالمقارنة بالفكر الحديث. وتبيِّن أعماله، مثل ما الفلسفة السياسية (1959) و الحق الطبيعي والتاريخ (1965) و الليبرالية: القديمة والحديثة (1968)، مدى انتمائه للتيار المحافظ في الولايات المتحدة، وهي تتضمن نقداً للليبرالية الحديثة التي يرى ستراوس أنها حافلة بالمشاكل الجوهرية التي لا سبيل إلى معالجتها، فهو يرى أن الديموقرّاطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة واتجاه نحو التكيف والامتثال ويفرز ذلك قيادات مفلسة أخلاقياً. ويدعو ستراوس إلى نظام نيابي تقوده صفوة متميِّزة ويستلزم ذلك وجود طبقة أرستقرّاطية تمتلك الثقافة الرفيعة. وقد انتقد ستراوس أيضاً الوضعية والتاريخية اللتين ترفضان مفهوم الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وتفتتان الحياة السياسية الملموسة إلى تجريدات خاوية وثنائيات زائفة. كما رأى أن الفكر السياسي الحديث تخلى عن هدف البحث عن القيم الأخلاقية الدائمة، وهو هدف الفلسفة الكلاسيكية في سبيل أهداف سياسية سهلة المنال، تسعى إلى التحكم في الإنسان والسيطرة عليه بعيداً عن أية معايير أخلاقية.
وتعود أهمية ستراوس إلى تأكيده أهمية تحليل الخطاب وفك شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو بذلك يُعَدُّ أحد المفكرين الغربيين (من أصل يهودي) الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب ومحاولة الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثل جاكوبسون ودريدا، ولعل هذا يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتراث الماراني. ولكن لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بتحليل النصوص وبفلسفة اللغة بشكل عام هو اهتمام مركزي في الحضارة الغربية الحديثة، بخاصة في القرن العشرين، كما أصبح مبحث اللغة من المباحث الأساسية في الفلسفة، ولعل هذا يعود إلى تصاعد مشكلة المعنى وانتشار النسبية.
ويُلاحَظ أن ستراوس مفكر سياسي محافظ، وهو أمر نادر بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ يُلاحَظ أن معظم المفكرين السياسيين الغربيين من أصل يهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية. ومع هذا، يُلاحَظ أن هناك تحولاً واضحاً منذ السبعينيات في هذا النمط، إذ بدأ مفكرون كثيرون من أصل يهودي في تبنِّي الفلسفة المحافظة واتخاذ مواقف رجعية.
|