الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













وكثير من المنتجات الحضارية التي يستخدمها أعضاء الجماعات اليهودية والتي تعطي انطباعاً بأنها منتجات يهودية خالصة، يظهر بعد التحليل الفاحص أنها في واقع الأمر ليست كذلك. فلحن صلاة النذور مأخوذ من لحن مسيحي، وألحان نشيد الهاتيكفاه (النشيد الوطني الإسرائيلي) مقتبسة من أغنية شعبية رومانية. ونجمة داود الشهيرة لم تصبح رمزاً يهودياً إلا في العصر الحديث بعد أن كانت رمزاً مسيحياً من قبل. والفنانون التشكيليون اليهود في العصر الحديث، أمثال مارك شاجال، ينتمون إلى تراث فني غربي، ولا يمكن رؤيتهم في إطار ثقافة يهودية مستقلة. ولا يُعرف أيضاً تراث أدبي يهودي مستقل، فالأدباء اليهود العرب في الجاهلية والإسلام اتبعوا التقاليد السائدة في عصورهم. وكذلك الأدباء اليهود في الولايات المتحدة وإنجلترا، فإبداعهم الأدبي مرتبط بالتراث الذي ينتمون إليه، وهذ أمر طبيعي.

لا توجد إذن ثقافة يهودية مستقلة، عالمية، تُعبِّر عن وجدان أعضاء الجماعات اليهودية وسلوكهم وإنما تُوجَد ثقافات يهودية مختلفة باختلاف التشكيل الحضاري الذي يُوجَد أعضاء الجماعات اليهودية داخله. ولذا يجدر بنا أن نتحدث عن ثقافة غربية يهودية أو ثقافة عربية يهودية، وبذا نخفض من مستوى تعميمنا حتى يتلاءم مع الظاهرة التي ندرسها. ولكننا لو فعلنا ذلك فإننا سنكتشف، على سبيل المثال، أن الثقافة العربية اليهودية هي، في نهاية الأمر، جزء من الثقافة العربية، ولا تُوجَد ملامح يهودية خاصة إلا في بعض الموضوعات وبعض المضامين المختلفة إذ تظل البنية العامة بنية عربية. ولنضرب مثلاً بيعقوب صنوع (أبو نظارة) أحد رواد المسرح والصحافة الساخرة في مصر. إن يهوديته لا يمكنها أن تُفسِّر أدبه وفكره وحبه للفكاهة، فهذه أمور مصرية صميمة. ولتحاول على سبيل التجربة أن تُفسِّر سيرة حياته الشخصية والفكرية أو قصة النجاح اليهودية في الولايات المتحدة أو عنصرية يهود جنوب أفريقيا في إطار الجيتو اليهودي في شرق أوربا، لو فعلت ذلك لاكتشفت مدى عجز مثل هذا النموذج التفسيري الذي يفترض وجود ثقافة يهودية واحدة عالمية. وقل الشيء نفسه عن الفنان المصري داود حسني، فهو ملحن وموسيقي مصري يهودي ويُقرَن اسمه بموسيقيين من أمثال سيد درويش وكامل الخلعي حيث لعب دوراً بارزاً في نهضة الموسيقى في مصر وفي إثرائها في العقود الأولى من القرن العشرين. وتقوم الإذاعة الإسرائيلية بالإشارة إلى داود حسني باعتباره موسيقاراً يهودياً، وهو أمر يستحق التأمل دون شك إذ أننا لو حاولنا البحث عن أي بُعد يهودي في موسيقاه لأعيتنا الحيلة.

وإذا أردنا بلورة وجهة نظرنا بشكل أكثر حدة (وربما طرافة) وإذا أردنا أن نبيِّن المقدرة التفسيرية لنموذجنا المقترح (مقابل النموذج الصهيوني القائل بالثقافة اليهودية ووحدتها) فلننظر إلى ظاهرة مثل الرقص الشرقي (الذي يُقال له البلدي؛ أي هز البطن). كان هناك العديد من الراقصات المصريات اليهوديات في كاباريهات القاهرة، في فترة الأربعينيات. ويوجد عدد لا بأس به منهن الآن في الولايات المتحدة (خصوصاً كاليفورنيا). ويُوجَد عدد من الراقصات « البلدي» في الدولة الصهيونية، بل توجد مدرسة متخصصة لتدريس هذا « الفن» في إسرائيل. وقد أثار المتدينون اليهود قضية بدلة الرقص الفاضحة أثناء إحدى جلسات الكنيست. فهل أصبح الرقص الشرقي بذلك «فناً يهودياً» وجزءاً من «التراث اليهودي» أم أنه ظل فناً شرقياً، ولا يمكن فهمه أو حتى فهم اشتغال بعض اليهوديات به إلا في إطار آليات وحركيات الحضارة العربية؟

وستتضح المقدرة التفسيرية لنموذجنا التفسيري المقترح (عدم وجود ثقافة يهودية واحدة) حينما نطبقه على الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، إذ سنلاحظ أنه لا توجد ثقافة يهودية غربية واحدة، وإنما ثقافات يهودية بعدد الدول التي يتواجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية، فثقافة يهود إسبانيا (السفارد) هي ثقافة إسبانية، تماماً مثلما أن ثقافة يهود ألمانيا ثقافة ألمانية، وثقافة يهود إيطاليا ثقافة إيطالية، وهكذا. ويقول المؤلف الإنجليزي اليهودي آرثر كوستلر إن ما يُعرَف بالتراث اليهودي أو الثقافة اليهودية (بمعنى عام لا بمعنى ديني وحسب) أمر ليس من السهل تعريفه إذ أن كل ما يَصدُر عن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ليس يهودياً بالمعنى المُحدَّد، وليس جزءاً من تراث قائم. فإنجازات اليهود الأفذاذ الفلسفية والعلمية والفنية تتوقف على معطيات ثقافة الشعوب الأخرى وحضاراتها.

ولذا، فإن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية الذي ينطلق من الثقافة (أي التعريف الإثني) تعريف عار من الصحة، تماماً مثل التعريف العرْقي. وربما تُبيِّن الصورة العامة في إسرائيل الآن أن أسطورة الثقافة اليهودية هي من قبيل الأكاذيب العقائدية الصهيونية العديدة. فاللغة الأمهرية التي يتحدث بها الفلاشاه، والجعزية التي يتعبدون بها، هي لغات ربما لم يسمع بها الإسرائيليون، تماماً كما لم يسمع الفلاشاه من قبل بالعبرية أو اليديشية.

والنموذج التفسيري الصهيوني بافتراضه وجود ثقافة يهودية واحدة مستقلة يخلق مشكلات لا حصر لها في عملية تعريف من هو المثقف اليهودي، فلا يوجد نمط واحد لتناول المثقفين أو الأدباء اليهود الموضوعات اليهودية. فهناك من يتناول الموضوعات اليهودية من منظور يهودي ما (مثل مائير لفين)، ولكن هناك أيضاً من يتناولها من منظور معاد لليهود (مثل ناثانيل وست)، وثمة فريق ثالث يتجاهل الموضوع اليهودي تماماً في كل كتاباته أو في معظمها (مثل ليونيل ترلنج)، وهناك فريق رابع يتناول الموضوع اليهودي ولكنه يضعه في سياق إنساني عام ويرى أن غربة اليهودي الحادة إن هي إلا تعبير عن أزمة الإنسان (العلماني) الحديث (كما يفعل وودي ألين وإيزاك بابل). وهذا التنوع يجعل من العسير إطلاق اصطلاح «مثقف يهودي» على كل هؤلاء. وفي عام 1989، صدر كتاب بعنوان ذا بلاكويل كومبانيون تو جويش كلتشرThe Blackwell Companion to Jewish Culture (أي دليل بلاكويل للثقافة اليهودية). لكن هذا المعجم لا يضم سوى أسماء المثقفين اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، ويستبعد كل المثقفين اليهود الشرقيين، مثل يعقوب صنوع وغيره. ولعل محرري هذا المعجم قد فعلوا ذلك ليفرضوا نوعاً من الوحدة عليه. ولكن الوحدة في هذه الحالة هي وحدة غربية وليست يهودية.

ولكن المشكلة الأخرى هي أن هذا المعجم يضم أسماء مثقفين يهود معادين بشكل أساسي لليهودية ولا يمكن فهم فكرهم إلا في إطار تقاليد معاداة اليهود في الحضارة الغربية، فهل يُصنَّف هؤلاء باعتبارهم مثقفين يهوداً يُعبِّرون عن الثقافة اليهودية، بينما يُستبعَد المثقفون الشرقيون اليهود؟

وهناك مشكلة ثالثة وهي مجموعة المثقفين اليهود الذين يؤكدون انتماءهم للحضارة المسيحية باعتبارها مصدراً لوحيهم ولرؤيتهم للكون، مثل بوريس باسترناك وإيليا إهرنبرج (في مرحلة من مراحل حياته). بل هناك فيلسوف روسي يُسمَّى ليف شستوف ظهر اسمه في كتاب حول أهم ثلاثة فلاسفة يهود في العصر الحديث ومعه مارتن بوبر و روزنزفايج. ولكن المعجم الذي نتحدث عنه لم يورد اسمه لسبب وجيه هو أن هذا الفيلسوف الذي وُلد لأم يهودية يُعتبَر فيلسوفاً مسيحياً لأنه يتحدث عن واقعة صلب المسيح باعتبارها أهم حدث تاريخي. ولكن، رغم استبعاد معجم بلاكويل لاسمه، فإننا نجد أن اسمه ورد في الموسوعة اليهودية. وهناك أيضاً حالة نعوم تشومسكي، وهو من أشهر علماء اللغـة في العـصر الحـديث ويجيد العبرية وعاش بعـض الوقت في إسرائيل،ومع هذا تهمل الموسوعات اليهودية كافة ذكره ربما بسبب عدائه لإسرائيل والصهيونية. فهل موقف المثقف اليهودي السياسي يُسقط عنه إثنيته اليهودية؟

وإنكارنا وجود ثقافة يهودية مستقلة ومثقفين يهود خالصين لا يعني إنكار وجود بُعد يهودي أو عناصر يهودية مستقلة. كل ما نذهب إليه أن مثل هذه العناصر، إن وُجدت، فليست ذات مركزية تفسيرية، أي أننا لتفسير بنية فكر فيلسوف أو مفكر يهودي ما، وطبيعة أدب أديب يهودي ما، فعلينا تبنِّي نماذج تفسيرية مشتقة من الحضارات التي ينتمي إليها هذا المفكر أو الأديب اليهودي بدلاً من العودة للتوراة والتلمود وتاريخ العبرانيين والكنعانيين (كما فعل الصهاينة والمعادون لليهود) فالنماذج المشتقة من هذه الحضارات تفوق كثيراً مقدرة النماذج المشتقة من الثقافة اليهودية.

سابقتالي

الرجوع إلى فهرس الجزء الثاني من المجلد الثالث