ثقافات أعضاء الجماعات اليهـودية:تعريف وإشكالية
Cultures of the Jewish Communities: Definition and Problematic
كلمة «ثقافة» لها معنيان أو استخدامان رئيسيان:
1 ـ معنى متسع: أسلوب الحياة في المجتمع بكل ما ينطوي عليه من موروث مادي ومعنوي حي.
2 ـ معنى ضيق: الأنشطة الإبداعية المتميِّزة في الآداب والفنون الأدائية والتشكيلية ونحن نستخدم الكلمة بكلا المعنيين.
وتشير معظم الكتابات التي تتناول أعضاء الجماعات اليهودية إلى «الثقافة اليهودية»، و«التراث اليهودي»، و«الموروث اليهودي». وهذه المُصطلَحات، شأنها شأن مُصطلَحات الاستقلال اليهودي الأخرى، مثل «التاريخ اليهودي» و«القومية اليهودية»، تفترض أن الجماعات اليهودية في العالم ذات حضارة يهودية مستقلة وثقافة يهودية مستقلة وتراث يهودي مستقل عن حضارة وثقافة وتراث المجتمعات التي يُوجَد أعضاء الجماعة اليهودية فيها، وأن إسهامات اليهود الحضارية المختلفة سواء في بابل في العصور القديمة أو في فلسطين في العصور الوسطى في الغرب أو في بولندا والهند والصين في القرن السادس عشر أو في ألمانيا في القرن التاسع عشر أو في الولايات المتحدة واليمن في القرن العشرين، ورغم تنوُّعها الحتمي والمُتوقَّع، تُعبِّر عن نمط واحد (وربما جوهر يهودي). ويستند مفهوم الإثنية اليهودية (وهو مفهوم صهيوني أساسي) إلى افتراض وجود مثل هذه الثقافة المستقلة. بل يُلاحَظ أن الصهاينة أسقطوا المفهوم العرْقي للهوية اليهودية ويؤكدون بدلاً من ذلك البُعد الثقافي (الإثني) لهذه الهوية.
ومفهوم الهوية الإثنية المستقلة تعمَّق حتى تغلغل تماماً في النسق الديني اليهودي ذاته. فاليهودية المحافظة، على سبيل المثال، تدور حول مفهوم التاريخ اليهودي والثقافة اليهودية. وقد أسَّس المفكر الديني الأمريكي اليهودي مردخاي كابلان فرقة يهودية تُسمَّى «اليهودية التجديدية» تستند إلى الإيمان بالحضارة اليهودية والثقافة اليهودية والتراث اليهودي، وإلى أن هذا التراث شيء مقدَّس يشغل المكانة نفسها التي شغلها الخالق في التفكير الديني اليهودي التقليدي. وغني عن القول أن المشروع الصهيوني بأسره يستند إلى رفض الأساس الديني الغيبي للهوية اليهودية ويُحل محلها فكرة الثقافة اليهودية المستقلة.
ونحن نذهب إلى أنه يمكن القول بوجود تشكيلين حضاريين «يهوديين» يتمتعان بقدر محدود من الاستقلال عما حولهما من تشكيلات حضارية:
1 ـ الثقافة العبرية القديمة، التي تمتعت بقدر من الاستقلال داخل التشكيل الحضاري السامي في الشرق الأدنى القديم. ومع هذا ظل هذا الاستقلال محدوداً للغاية بسبب بساطة الحضارة العبرانية وضعف الدولة العبرانية وتبعية الدولتين العبرانيتين (مملكة يهودا ومملكة يسرائيل) للإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأدنى القديم (العبرية ـ الآشورية ـ البابلية ـ الفارسية). والتبعية السياسية، بخاصة في العصور القديمة، كانت تؤدي إلى تبعية ثقافية بل دينية. ولذا استعارت الثقافة العبرانية الكثير من حضارات هذه الإمبراطوريات.
2 ـ الثقافة الإسرائيلية (أو العبرية الحديثة). وهذه الثقافة مستقلة ولا شك عن التشكيل الحضاري العربي. ولكنها مع هذا لا تزال جديدة لم تكتمل مفرداتها الحضارية بعد. كما أن الصراع الثقافي الحاد بين عشـرات الجماعـات اليهودية التي انتقلت إلى إسرائيل ومعها تقاليـدها الحضـارية (سـفارد ـ إشـكناز ـ يهود البلاد العربية ـ فلاشاه ـ بنـي إسـرائيل من الهنـد ـ يهود بخـارى ـ يهـود قـرّاءون ـ سـامريون.. إلخ). جعلت بلورة مثل هذه الثقافة أمراً عسيراً.
ولكن العنصر الأساسي الذي يتهدد عملية بلورة خطاب حضاري إسرائيلي مستقل هو أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع استيطاني يدين بالولاء الكامل للولايات المتحدة الأمريكية ويعاني من تبعية اقتصادية وعسكرية مذِّلة لها، فهو يدين لها ببقائه وبمستواه المعيشي المتفوق، ولذا فثمة اتجاه حاد نحو الأمركة، يكتسح في طريقه كل الأشكال الإثنية الخاصة التي أحضرها المستوطنون معهم من أوطانهم الأصلية. ومما عمَّق هذا الاتجاه أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني تماماً ملتزم بقيم المنفعة واللذة والإشباع المباشر والنسبية الأخلاقية والاستهلاكية، وهذا يتعارض مع محاولة إحداث التراكم الحضاري. ومع ظهور النظام العالمي الجديد والاستهلاكية العالمية، فإن من المتوقع أن تزداد الأمور سوءاً.
وبخلاف الحضارة العبرانية القديمة والثقافة الإسرائيلية الجديدة لا يمكن الحديث عن ثقافة أو حضارة يهودية مستقلة أو شبه مستقلة. فاليهود، مثلهم مثل سائر أعضاء الجماعات والأقليات الدينية والعرْقية الأخرى، يتفاعلون مع ثقافة الأغلبية التي يعيشون في كنفها ويستوعبون قيمها وثقافتها ولغتها. وإن كان هناك درجة من الاستقلال لكل جماعة يهودية عن الأغلبية، فإن هذا الاستقلال لا يختلف عن استقلال الأقليات الأخرى عن الأغلبية، كما أنه لا يعني بالضرورة أن ثمة عنـصراً (عالمياً) مشـتركاً بين كل جماعـة يهودية وأخرى. فالعبرانيون، منذ ظهورهم في التاريخ، تبنّوا حضــارات الأمم الأخرى، ابتداءً من اللغة، ومـروراً بالمفاهـيم الدينية، وانتهاءً بالطراز المعماري. وعلى سبيل المثال، لا يُعرَف طراز معماري يهودي، أو فن يهودي مسـتقل، فهيكل سـليمان كان يتبع الطراز الآشوري الفرعوني (المصري)، ولم يكن يختلف كثيراً عن الهياكل الكنعانية. كما نعلم أن الذي قام بتنفيذه هم عمال مهرة من فينيقيا، وأن الأخشاب قد اُستوردت من هناك أيضاً، وكذلك تتبع المعابد اليهودية في العالم العربي الطراز العربي. أما جنوب الولايات المتحدة في القرن التاسع عشرعلى سبيل المثال، فكانت المعابد اليهودية فيه تُبنَى على الطراز النيو كلاسيكي السائد هناك آنذاك.
|