الرجوع إلى الصفحة الرئيسية













ديفيـد ريكــاردو (1772-1823)

David Ricardo

اقتصادي بريطاني، وُلد في لندن لعائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي كانت قد استقرت في هولندا (مسقط رأس إسبينوزا) ثم هاجرت إلى إنجلترا عام 1760 قادمة من أمستردام. أرسلته أسرته إلى هولندا للدراسة، فعاد إلى لندن عام 1786 حيث اشتغل مع والده الذي كان سمساراً ناجحاً في البورصة. ولكنه، في عام 1793، انفصل عن عائلته حيث تزوج من سيدة من طائفة الكويكرز، كما ترك العقيدة اليهودية وانضم إلى الكنيسة. ثم عمل ريكاردو في البورصة بمفرده وحقق ثروة فاقت ثروة أبيه. وفي عام 1814، اعتزل البورصة وعالم المال واتجه إلى دراسة الاقتصاد ليصبح أحد أهم مؤسسي علم الاقتصاد السياسي الحديث. ويعود اهتمامه بهذا المجال إلى عام 1799 حينما قرأ ثروة الأمم لآدم سميث، حيث بدأ بعد هذا التاريخ في الكتابة حـول بعض القضـايا المالية والاقتصـادية المهمة في إنجلترا آنذاك. كما نشأت علاقة فكرية بينه وبين الاقتصاديين جيمس ميل وتوماس مالثوس، الأمر الذي زاد من اهتمامه بدراسة الاقتصاد. وتوثقت علاقته بفيلسوف النفعية (المادية) جيريمي بنتام (أي أنه كان على علاقة وطيدة بأهم المفكرين العلمانيين في إنجلترا آنذاك). وأهم أعمال ريكاردو على الإطلاق هو مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (1817) ويضم أهم تحليلاته ونظرياته الخاصة بالسياسات المالية والضريبية والتجارة الدولية والتي أصبحت أساساً لكثير من المفاهيم الاقتصادية الحديثة. تناول في تحليلاته: قيمة العمل، وعلاقة الأرباح بالأجور، وعلاقة مستوى الأجور بالنمو السكاني، وندرة الموارد الطبيعية، والقوانين التي تحكم عملية توزيع الثروة. وقدم ريكاردو تحليلاً للآثار الاقتصادية للسياسات الضريبية على التراكم الرأسمالي ولتوزيع الدخل القومي ومستوى الأسعار، كما اكتملت نظريته في التجارة الدولية. ومن أهم إسهاماته، استنتاجه أن ما يحدد قيمة السلعة هو قيمة الجهد المبذول فيها، ومن ثم فقد استبعد الريع وإيجار الأرض كمصدر للقيمة، أي أن ساعة قيمتها 100 جنيه تتطلب عشرة أضعاف العمل المطلوب لإنتاج حذاء قيمته 10 جنيهات. كما طوَّر ريكاردو مفهوم الأجور وحد الكفاف، وهو يرى أن الأجور خاضعة لما سماه «القانون الصارم للأجور» والذي يؤدي إلى استقرار الأجور عند حد الكفاف. فإن زادت الأجور على حد الكفاف، فإن الطبقة العاملة ستتزايد عدداً وسيزداد التنافس بين أعضائها فتزداد أثمان السلع وتقل الأجور ويستقر كل شيء عند حد الكفاف مرة أخرى. أما فيما يتصل بالتجارة الدولية، فكان يطالب بحرية التجارة وحرية انتقال السلع، وكان يرى أن آليات السوق في حد ذاتها كفيلة بتحقيق التوازن. وظلت نظريات ريكاردو تسيطر على السياسات الاقتصادية البريطانية مدة خمسين عاماً. وقد دخل ريكاردو البرلمان عام 1819 ليس عن طريق الانتخاب ولكن عن طريق شراء مقعد له (كما جرت العادة آنذاك). ورغم انفصاله عن اليهودية، دافع ريكاردو داخل البرلمان عن إسقاط الأهلية القانونية عن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا. وكان موقفه هذا نابعاً من رؤيته الليبرالية، فهو لم يكن يرى أن ثمة دوراً خاصاً لليهود أو للرأسمالية اليهودية، كما أن كتاباته عن النظرية الاقتصادية لا تتعرض لوضع اليهود أو دورهم داخل التشكيل الرأسمالي الغربي (وهو الأمر الذي ناقشه ماركس وفيبر وسومبارت والفكر الاشتراكي الغربي ككل).

ويُعتبَر ريكاردو من أهم الفلاسفة الاقتصاديين الكلاسيكيين الذين قدَّموا رؤية اقتصادية (مادية) محضة، فهو لم يشغل باله بالاعتبارات الأخلاقية أو النفسية فقدَّم رؤية أحادية علمية (بالمعنى الضيق) من خلال أسلوب مجرد شبه رياضي لا يستخدم أية استشهادات تاريخية بقدر ما يلجأ لاستشهادات مجردة افتراضية. وجعل ريكاردو العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي أو المبدأ الواحد الذي يُرَدُّ إليه سلوك الإنسان (القوة الدافعة له التي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده). كما أنه، شأنه شأن الفلاسفة النفعيين، جعل حب الذات الدافع الأساسي في سلوك الإنسان، ومن ثم فإن المنافسة هي الآلية الكبرى. وعلى هذا، ساهم ريكاردو مساهمة فعالة في وضع أسس علم الاقتصاد الحديث وفي فصله عن المنظومات الدينية والأخلاقية وعن العلوم الأخرى، وجعله مجموعة من المبادئ تتعامل مع المصادر المادية. كما طوَّر النماذج الرياضية المجردة، وهو ما يعني استبعاد العناصر الإنسانية والأخلاقية. ويظهر في كتاباته الإنسان الاقتصادي الذي لا يبحث إلا عن مصلحته، واليد الخفية التي طرحها سميث تفقد أي مضمون ديني أو إنساني لتصبح جزءاً من الآلية الاجتماعية الصماء (قوة لا متعينة لا تعرف التمايز الفردي).

ويمكن أن نضع ريكاردو في إطار أولئك المفكرين اليهود السفارديين (الممتدين من إسبينوزا إلى دريدا) الذين قاموا بتفكيك ظاهرة الإنسان تماماً ورأوه في ضوء مجموعة من الحتميات المادية الصارمة وردوه إلى بعض الأصول المادية دون أية مثاليات أو غيبيات. وعالم ريكاردو المادي الآلي لا يختلف كثيراً عن عالم إسبينوزا في ماديته وآليته الصارمة، فهو عالم تسوده المادية الصلبة التي لا تحتمل أية فراغات أو ثغرات أو مسافات، ومن هنا جاءت سيادة النماذج الرياضية والهندسية في كتابات كل منهما.

ويثير ريكاردو قضية أساسية فيما يتعلق بالمعادين لليهودية، فالكثيرون منهم يفسرون سلوك ماركس وفكره على أساس يهوديته. وحينما يُشار إلى حقيقة أن أباه قد تنصَّر وأنه عمَّد الطفل ماركس في طفولته، فإنه عادةً ما يُقال: ولكنه مع هذا ظل يهودياً. وهم يفعلون ذلك ليبينوا أن اليهود مسئولون عن الشيوعية وأن الشيوعية ثورة يهودية. والمشكلة التي تظهر هنا هو أن ريكاردو فيلسوف الرأسمالية الحرة في أقصى أشكالها تجريداً وتطرفاً هو الآخر يهودي متنصِّر. ولعل الفارق الوحيد هو أن أصول ماركس إشكنازية بينما أصول ريكاردو سفاردية! وإذا قبلنا منطق تصنيف الشيوعية كحركة ذات أصول يهودية لأن مؤسسها من أصول يهودية، فلابد أن نقبل أيضاً مقولة أن الرأسمالية هي الأخرى حركة ذات أصول يهودية، ذلك أن واحداً من أهم فلاسفتها ذوو أصول يهودية. وغني عن القول أن هذا منطق متهافت يشبه منطق الصهاينة الذين ينسبون لليهود صفات عجائبية!

الرجوع إلى فهرس الجزء الأول من المجلد الثالث