نفـــــع اليـــهود
Utility of the Jews
«نَفْع اليهود» مصطلح يعني النظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من منظور مدى نفعهم للمجتمعات التي يوجدون فيها، وهو واحد من أهم الموضوعات الأساسية، الواضحة والكامنة، التي تتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، وبخاصة النازية.
والدفاع عن اليهود من منظور نفعهم يتضمن داخله قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم كبشر لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة. فالعنصر النافع عنصر متحوسل يُستفاد منه طالما كان نافعاً ومنتجاً، كما يجب التخلص منه إن أصبح غير نافع وغير منتج. وهذا المقياس لم يُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم، وإنما على كل أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية المطلقة العلمانية التي تقوم بحوسلة الطبيعة والإنسان. ومفهوم نَفْع الإنسان مفهوم محوري في فكر حركة الاستنارة نابع من الواحدية المادية.
وقد كانت الجماعات اليهودية تضطلع بدور الجماعة الوظيفية في كثير من المجتمعات، فكان بعضها يضطلع بدور الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية في العصور القديمة، وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجارية في العصور الوسطى في الغرب. وكان يُنظَر إليهم باعتبارهم مادة بشرية تُستجلَب للمجتمع كي تقوم بدور أو وظيفة محددة، ويتم قبولها أو رفضها في إطار مدى النفع الذي سيعود على المجتمع من جراء هذه العملية. ومما دعَّم هذه الرؤية، فكرة الشعب الشاهد التي تنظر إلى اليهود كأداة للخلاص، ومن ثم ينبغي الحفاظ عليهم بسبب دورهم الذي يلعبونه في الدراما الدينية الكونية، وهي الفكرة التي سادت أوربا الكاثوليكية الإقطاعية. وقد استقر اليهود في إنجلترا وفرنسا في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط وكمصدر نَفْع ودَخْل للإمبراطورية. وكان يُشار إليهم أحياناً على أنهم سلع أو منقولات. ويمكن القول بأنه قد يكون من الأدق النظر إلى اليهود باعتبارهم أدوات إنتاج وإدارة، لا باعتبارهم بشراً أو قوى إنتاج. وقد استقر اليهود في ألمانيا ثم في بولندا على هذا الأساس. وظهر بينهم يهود البلاط أو يهود الأرندا، وكانوا هم أيضاً جماعات وظيفية، وكان يُنظَر إليهم من حيث إنهم يؤدُّون وظيفةً ما، كما كان يُحكَم عليهم بمقدار النجاح أو الإخفاق في أدائها. ومن أكثر الأمثلة إثارةً على أن اليهود كان يتم التسامح معهم والتصريح لهم بالاستيطان كمادة نافعة، وضعهم في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت توجد عناصر يهودية كثيرة في بلاط فرديناند وإيزابيلا. بل إن أحد أثرياء اليهود لعب دوراً مهماً في عقد القرآن بينهما وفي توحيد عرش قشطالة وأراجون. وقام بعض أثرياء اليهود بتمويل حرب الملكين ضد المسلمين، وهو ما أدَّى إلى هزيمتهم وإنهاء الحكم الإسلامي. ومع هذا، تم طرد أعضاء الجماعات اليهودية بعد سبعة شهور فقط من إنجاز هذه العملية العسكرية التي مولوها، ذلك أن نجاحها قد أدَّى إلى أن دورهم كجماعة وظيفية مالية نافعة لم يَعُد لازماً.
وقد كان وضع اليهود مستقراً تماماً داخل المجتمعات الغربية كجماعة وظيفية وسيطة ذات نَفْع واضح. ولكن هذا الوضع بدأ في التقلقل مع التحولات البنيوية العميقة التي خاضها المجتمع الغربي ابتداءً من القرن السابع عشر وظهور الثورة التجارية. ولم يَعُد بالإمكان الاستمرار في الدفاع عن وجود اليهود من منظور فكرة الشعب الشاهد (الدينية). فظهرت فكرة العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تجعل الخلاص مشروطاً بعودة اليهود إلى فلسطين. ولكن هذه الأسطورة ذاتها لا تزال مرتبطة بالخطاب الديني، ولم يكن مفر من أن يتم الدفاع عن اليهود على أسس لادينية علمانية، كما لم يكن بد من طرح أسطورة شرعية جديدة ذات طابع أكثر علمانية ومادية. ومن ثم، ظهرت فكرة نَفْع اليهود للدولة، هذا المطلق العلماني الجديد، فتم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا في القرن السابع عشر من منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي، حيث نُظر إليهم كما لو كانوا سلعة أو أداة إنتاج. وكان المدافعون عن توطين اليهود يتحدثون عن نقلهم على السفن الإنجليزية بما يتفق مع قانون الملاحة الذي صدر آنذاك ويجعل نَقْل السلع، إلى إنجلترا ومنها، حكراً على السفن الإنجليزية. كما أن كرومويل فكر في إمكانية توظيفهم لصالحه كجواسيس. وعمل اليهود في تلك المرحلة في وسط أوربا كيهود بلاط، وهم جماعة وسيطة يستند وجودها أيضاً إلى مدى نَفْعها.
وحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وانعدام نَفْعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من منظور نفعهم أيضاً. فكتب الحاخام سيمون لوتساتو عام 1638 كتاباً بالإيطالية تحت عنوان مقال عن يهود البندقية عدَّد فيه الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها من الدول من وراء وجود اليهود فيها، فهم قد طوَّروا فروعاً مختلفة من الاقتصاد، يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة، ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها. وهم يقومون بشراء العقارات، ومن ثم لا ينقلون أرباحهم خارج البلاد. إن اليهود من هذا المنظور يشبهون رأس المال الوطني (مقابل رأس المال الأجنبي) لابد من الحفاظ عليه والدفاع عنه.
وقد تبنَّى منَسَّى بن إسرائيل المنطق نفسه في خطابه لكرومويل حتى يسمح لليهود بالاستيطان في إنجلترا. كذلك تبنَّى أصدقاء اليهود المنطق ذاته، فطالب جوسيا تشايلد رئيس شركة الهند الشرقية عام 1693 بإعطاء الجنسية لليهود الموجودين في إنجلترا بالفعل. وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك وازدهر اقتصادها بالتالي. كما كتب جون تولاند عام 1714 كتيباً هاماً للغاية عنوانه الأسباب الداعية لمنْح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا دافع فيه عن نَفْع اليهود مستخدماً المنطلقات نفسها التي استخدمها لوتساتو.
ومن أهـم المدافـعين عن نَفْع اليهود، الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، حيث بيَّن أهمية دورهم في العصور الوسطى، وكيف أن طَرْد اليهود ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة، وتمكنت التجارة من تحاشي العنف، ومن أن تصبح نشاطاً مستقلاًّ، أي أنه تم ترشيدها.
ولعل أدقَّ وأطرف تعبير عن أطروحة نَفْع اليهود ما قاله إديسون في مجلة سبكتاتور في 27 سبتمبر 1712 حين وصف بدقَّة تحوُّل اليهود إلى أداة كاملة، فاليهود منتشرون في كل الأماكن التجارية في العالم، حتى أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة والتي تترابط من خلالها الإنسانية. فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بغير قيمة في ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ هيكل البناء بتماسكه.
وقد استمر هذا الموضوع الكامن شائعاً في الفكر الغربي، ثم ازداد انتشاره وتواتره مع علمنة الحضارة الغربية وسيادة الفلسفات المادية النفعية التي تحكم على مجالات الحياة كافة، وليس على اليهود بمفردهم، من منظور المنفعة. ولذا، نجد أن فكرة نَفْع اليهود تزداد محورية في الفكر الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهي أيضاً المرحلة التي لم يَعُد فيها وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب مقلقلاً وحسب، بل صل فيها إلى مرحلة الأزمة. وقد تزامنت هذه العمليات الانقلابية مع ظهور فكر كلٍّ من آدم سميث في إنجلترا والفيزيوقراط في فرنسا، حيث كان كل منهما يطالب الدولة بتنظيم وزيادة ثروتها، كما كانا يتقبلان فكرة أن الهدف النهائي (والمطلق) لكل الأشياء هو مصلحة الدولة. ومن هنا، ظهر الفكر النفعي الذي يرى العالم كله من منظور المنفعة. وكان أعضاء الفريق الأول يرى أن الصناعة هي المصدر الأساسي للثروة، في حين كان أعضاء الفريق الثاني، بحكم وجودهم في بلد زراعي أساساً، يرون أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة. ولكن، مع هذا، تظل فكرة المنفعة هي الفكرة الأساسية. فأعلنت الأكاديمية الملكية في متز عن مسابقة عام 1785 لكتابة بحث عن السـؤال التـالي: هل بالإمكان جَعْل يهود فرنسا أكثر نفعاً وسعادة؟ ونشر كريستيان دوم كتابه الشهير عن موضوع نَفْع اليهود عام 1781 بعنوان بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود. كما نشرت كتابات عديدة بأقلام الكُتَّاب الفرنسيين الذين ساهموا في الثورة الفرنسية مثل ميرابو وغيره، دافعوا فيها عن نَفْع اليهود أو إمكانية إصلاحهم أو تحويلهم إلى شخصيات نافعة منتجة. وموضوع نَفْع اليهود يشكل إحدى اللبنات الأساسية في كتابات السياسي الإنجليزي والمفكر الصهيوني المسيحي اللورد شافتسبري، الذي اقترح توطين اليهود في فلسطين لأنهم جنس معروف بمهارته ومثابرته، ولأنهم سيوفرون رؤوس الأموال المطلوبة، كما أنهم سيكونون بمثابة إسفين في سوريا يعود بالفائدة لا على إنجلترا وحدها، وإنما على العالم الغربي بأسره.
|