|
ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول: "نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل". ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه: "من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبَّب أنهاراً من الدم". وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم في البروتوكول الثالث أن "أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف يتبرأون منا " فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من "فشل إلى فشل"، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع: "إن لنا طموحاً لا يُحدّ، وشرّهاً لا يُشبع، ونقمة لا تَرحم، وبغضاء لا تُحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نُسخِّر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب". ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي: « لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميِّين، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ ». ومن الواضح أن التزييف لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع، أما الباقي فهو اتهامات موجهة بالتآمر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة.
ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع. فعلى مستوى المجتمع، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة، وإشاعة الإباحية، واستغلال الحريات العامة، وتخريب المؤسسات المسيحية، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوربي. أما على مستوى الدولة، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه، وتُصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء.
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطَّط بأن يسيطر اليهود على الصحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه. كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم. كما أنهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار. و البروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء: عن الخير والشر، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس، مثلاً، يقول: «كي نخرب [أي نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضوية] ».
ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحـساس الإنسان الأوربي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، و بقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي. فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، حسبما جاء في البروتوكولات، ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما. فبرغم الاختلافات العميـقـة بين النظامـين المذكورين، والاختـلاف بين الفيلسوفين، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة.
وقد وُجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضـاء الجمـاعات اليهـودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً. بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين)، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية، أو في شركة قناة بنما. كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وكلٍّ من «اليمين» و«التحلل الرأسمالي» و«التفكك الليبرالي» من جهة أخرى.
ولكن، إلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي. وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919، كان رئيس الدولة يهودياً، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية».
ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي)، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها.

|